
سيف الدين رحماني
العنصرية…عقائد دينية ومنطلقات فلسفية ضاربة في التاريخ
من الحتميات التي لا تنمحي أبدا ولا ولن تندثر إلى أن يرث الله الارض و من عليها، هي النعرات الجاهلية واللاخلاقية. تلك الجينات المسؤولة عن إنتاج بروتينات متخصصة، منها صفات ظاهرية، وأخرى باطنية تترجم بعد ذلك إلى سلوكات، تصرفات، وربما أفكار وعقائد راسخة على مر العصور.
العنصرية ..نعم هذا المركب الجاهلي اللاخلاقي الغير المبرر، الموجود في فلك وعقل كل واحد من بني الإنسان بدون تستر، ولكن يتفاوت بنسب، الموفق منا من يلجمها، والمخذول من يوقظها..
ربما يتساءل البعض، هل بقي لها أثر مع ثورة المعلومات هذه، وعالم الديجتال في القرن الواحد والعشرين، قرن الرقمنة و الكبسة المكوكية. نقول في الحقيقة، ما هذه الوسائل للعنصرية سوى ستار يسترها لفترات ويظهرها فترات أخرى، تأتي مع الأيام والحوادث وتجرفها سيول الأسباب المقدمة لها..
أولا، هناك فرق بين عديد مفاهيم و مشتقات شتى، تندرج ضمن الإطار المفاهيمي الفلسفي، الاجتماعي والانثروبولوجي. وهي مصطلحات متباينة، تشمل العنصرية، الجهوية، العشائرية، القبلية.. و تتوسع في المفهوم الديني والانثروبولوجي إلى التعصب، الطائفية، الإثنية، العرقية.. وكلها تعتمد على متغير التمييز الذي دحر مماليك دحرا مبينا، وهدم حضارات كانت راسخة على مر الزمن؛ فما تلبث أن تقوم هذه إلى أن تندثر اخرى بسبب مركب التمييز و فاعليته، تماما مثل ماحدث لهتلر ومحوه لعرق اليهود من منطلق التمييز، واندثاره هو و عرقه الآري بذات المصطلح.
في الحقيقة، إن أي فرق في المعاملة بين بني البشر على أساس وجود فروق من هذا النوع هو سياسة إقصائية تهميشية تمييزية بين البشر، على أساس اللون أو الانتماء القومي أو العرقي و غيرها من الأنماط.
فالتمييز العرقي عنصرية، التمييز الإثني عنصرية، التمييز اللوني أيضا يعد عنصرية، التمييز الشكلي، التمييز الجغرافي، المحلي وحتى في المستوى الاقل قياسا الحومة أو الحي هو كذالك عنصرية وعليه، هذه الترسبات موجودة في باطن كل واحد منا.
مناسبة هذا الكلام، ما انتشر من عودة إلى العنصرية المقيتة، والإقصاء الممنهج، بل والقتل المتعمد الشنيع للسود بالولايات المتحدة الأمريكية، التي تدعي في أدبياتها الرسمية، وفلسفات أكاديمياتها وجامعاتها الغراء، بأنها موطن الحرية، وملاذ التسامح والتساكن والديمقراطية، والحرص الأمين على تسويق هذه الحرية، وتلك الديمقراطية إلى باقي العالم المتخلف، العالم المتوحش، العالم المريض.
حادث جوروج فلويد، ماهو الا ترجمة لتراكمات نفسية سلوكاتية تمييزية لكثير من مجانسي فعل الجاني “ديريك تشوفين “.. فقبلها كان حادث رجل أسود جندلُهُ شرطي أبيض، وبراه قضاء لاَهٍ ومنحاز، وطفل يموت شنقا حد الموت تحت قبضة فولاذية لشرطي يقطر كراهية وحقدا على الإنسان الأسود، لا لشيء إلا لكونه أسود من أصول افريقية، مخالفا في اللون، مغايرا في المسلك، ومختلفا في الطبيعة. إنها قمة البغض، وذروة شطب الآخر، وإعدام وجوده، بل وعبء ومساكنته، وعيشه، ومعايشته للأبيض الوسيم الجميل المشع، الذي تُسَبِّحُ عناصر الطبيعة ليل نهار لبياضه، ورضا هذا البياض على الكون، ووجود هذا الوجود بفضله، بفضل البيض وليس غير البيض أُسًّا وعِلَّةً، وسببا للكينونة البشرية، وما عداهم عدم وعبء لا يُحْتمل، بل كارثة غير محسوبة تتناسل في بقاع الأرض، مهددة إياها بأعتى الشرور، وأفدح المصائب !.
وجذورها قديمة كما نعلم فمن أولى الأعمال العنصرية والأكثرها انتشارا هي تجارة الرقيق التي كانت تمارس عادة ضد الأفارقة السود.
*العزل العنصري ضد الأفارقة السود و قوانيين الفصل في جنوب أفريقيا.
*الحركة الصهيونية ضد الفلسطينيين.
*لحركة العنصرية ضد اليابانيين في أمريكا خلال الحرب العالمية.
*حركة معاداة السامية ضد اليهود في أوروبا عموما وفي ألمانيا النازية.
*العنصرية ضد الشرق أوسطيين والمسلمين في أمريكا والغرب بعد أحداث 11 سبتمبر.
و كذالك عنصرية السعوديين اتجاه العاملين البنغال والافغان و الهنود..
ربما يتذكر بعضنا حادثة وقعت في أربعينات القرن الماضي سنة 1930 لمغنية أمريكية من اصول افريقية، ماريان اندرسون، عندما أتمت حفلة بجامعة برينستون ثم أرادت حجز غرفة بأحد فنادق المدينة، اذ بها تفاجؤ برفض الكل لاستقبالها بسبب لون بشرتها، فسمع بذالك اينشتاين، فقام بدعوتها الى بيته فقضت ليلتها عنده.
مافعله أبو ذر الغفاري عليه رضوان الله من أمر تعيير الرجل بامه، وكانت فيما يروى أعجمية غير رواية بلال، فالاولى هي الثابتة. لما ورد خبره الى النبي عليه الصلاة و السلام قال له أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية.
و هذه الحادثة تعد مثل لنا من بعدهم. إذ فيهم نزلت القوانين الإلاهية و شرعت التشريعات و تبينت المقاصد. فعلى ضوء أحداثهم ووقائعهم نتعلم ونستفيد.
تاريخ العنصرية حافل بالمحطات و الوقائع التي يشمئز لها عنصر الانسان.
ما قاله عالم الاحياء و صاحب نوبل في علم الوراثة وأحد مطوري الحمض النووي الريبي جميس واتسون، حول فرضية ذكاء البيض و السود، “ان الذي يعتقد بتكافؤ الذكاء مخطئ في الحقيقة الأمر عكس ذالك” مما اعتبرها البعض تصريحات عنصرية متهورة.
منطلقات فلسفية:
نعرج قليلا من باب آخر، فمثلا إقصاء الفلسفة الغربية لإنجازات الفلسفة الشرقية واحتقار فلاسفتها لنظرائهم كامانويل كانط وما قاله عن كونفوشيوس بأنه لم يعلم الصينين مبادئ الفضيلة و الاخلاق واكتفى بتعاليم العقيدة فقط.هل نقول بأنه تصريح عنصري؟
و كانط ليس هو الوحيد الذي يعتبر أن الصينيين والهنود، والشرقيين عموما، عاجزون عن الفلسفة. بل حتى الفلاسفة الغربيون المعاصرون؛ يرون انه لا توجد فلسفة صينية أو هندية ويعتبرون أن هذا من الأمور المسلّم بها.
و ليس ببعيد الفيلسوف الفرنسيّ جاك دريدا يوم ذهب إلى الصين لحضور مناسبة ثقافية. وقد أدهش مضيفيه الصينيين عندما قال إن الصين تخلو من أيّ فلسفة وأن الموجود هو “فكر” فقط. ثم أضاف: الفلسفة ترتبط بتاريخ خاصّ وبلغة محدّدة وببعض ابتكارات الإغريق، أي أن الفلسفة لا توجد إلا في أووربّا”.
هذه المنطلقات جعلتهم يقولون ويضيفون أن كلّ شيء شرقيّ هو انفعاليّ وطفوليّ وغير عقلانيّ، بينما كلّ ما هو غربيّ هو نقيض لهذه الصفات.
كما أن المثقّفين الأوربّيين تقبّلوا فكرة تفوّق العِرق الأبيض وبأنه لا يوجد عِرق آخر يمكن أن يُبَلوِر فلسفة. فلقد كان استبعاد الشرق قرارا وليس نتيجة اقتناع. و”كانط” نفسه كان شخصا عنصريّا صاحب نزعة هتلرية متقدمة صنف الأعراق البشرية و تعامل مع العِرق كموضوع علميّ وربطه بالقدرة على التفكير المجرّد، وكذلك عندما نظّر عن مصير الأعراق ورتّبها بشكل تفاضليّ
عقائد دينية:
أليس ماكان يعتقده اليهود في الماضي و حتى الآن بان كل من ليس يهوديا تحل فيه اغلب انواع الانتهاكات الشخصية من زنا سرقة و ربا …؟ بل تعدى الامر أكثر من ذالك و اعتبروا انفسهم افضل من غيرهم و ان غيرهم عبيد لهم خلقوا لخدمتهم او حيوانات بالاحرى.
قيل أن “الامير” المعتمد بن عباد، صاحب إشبيلية، “أقام في قصره حديقة لزرع الرؤوس المقطوعة لمخالفيه ”
ما فعله المعتمد بن عباد، مشهد من مسلسل العنصرية، يؤديه المنتصر، لا فرق بين كريستوفر كولومبوس وعنصريته اتجاه الهنود الحمر، وجورج بوش الاب وابنه وحديثهما في العراق و غيره، و ما فعله نابليون سبقه إليه أبو العباس السفاح. “لما دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيل… وربطوا خيلهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة وكسروا القناديل… ونهبوا ما وجدوه من المتاع… وشتتوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها”. فماذا سلك السفاح؟
قيل إنه دخل دمشق بالسيف، وأباح فيها القتل، وجعل جامعها سبعين يوما إسطبلا لدوابه، وأنه بدأ عهده بالعبث بالجثث، إذ “نبش قبور (حكام) بني أمية منهم هشام بن عبدالملك فقد وجده صحيحا فأخرجه وضربه بالسوط وهو ميت، وصلبه أياما ثم أحرقه، ودق رماده، ثم ذره في الريح… أرسل امرأة هشام بن عبدالملك، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاسرة.. وجردها عن ثيابها ثم قتلوها، ثم أحرق ما وجده من عظم ميت منهم”.
كل هذا عنصرية!
اما العنصرية العشائرية و القبلية فهي فينا طاعنة ونحن لا ندري تخرج عفويا، ربما يقوم الواحد منا في حيه بتعيير أفراد حي آخر, و القبيلة الفلانية كذالك تحقر نظيرتها في الجانب الآخر. هذا ضرب من التمييز الضيق المدى. فما حدث لآل بيت النبي مثلا من القتل و السبي و التشريد و الظلم في عهد يزيد بن معاوية و حقبة بني أمية عموما بسبب العشيرة و أفضليتها هو حقيقة ضرب من الحسد. اما الفعل فهو العنصرية المقننة. تجسدت في صفحة سوداء لمن عاداهم وابغضهم و ميزهم.
أتعيب الناقش ام المنقوش…؟
هو شكل من اشكال التمييز …عير رجل رجلا بخلقته فرد عليه: أتعيب الناقش ام المنقوش؟
عندما خلق الانسان، هل كانت لديه حرية اختيار لون عينيه، شعره او بشرته.. لا يملك حتى قدرة اختيار اسمه، فمابالك بعرقه و اثنيته و عشيرته.. البطولة كل البطولة في ميزان الأخلاق و ما جاورها من القيم فهذا ما يحق التميز به.
أعجبتني قصيدة بين اسود و ابيض جاء فيها:
حين ولدت , أنا أسود
حين كبرت , أنا أسود
أنا في الشمس , أنا أسود
حين أخاف , أنا أسود
حين امرض , أنا أسود
حين أموت , أنا أسود
و أنت أيها الأبيض …
حين تولد , أنت زهري
حين تكبر , أنت أبيض
حين تتعرض للشمس , أنت أحمر
حين تبرد , أنت أزرق
حين تخاف , أنت أصفر
حين تمرض , أنت أخضر
حين تموت , أنت رمادي
كل هذا .. ورغم ذاك
أنت تصفني بأني ملوَّن.
و جميل المعنى حقا في هذا الموضوع هو أن: كل واحد منا إن لم يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه فهو عنصري.
