نـور24

الغضب يشعل الولايات الامريكية بسبب عنصرية الرجل الأبيض

محمد سعد عبد اللطيف *

ماشهدته أمريكا يوم الثلاثاء 26 ماي، يعيد إلى الاذهان أحداث عام 1968م، عقب مقتل المناضل الأسود مارتن لوثر كينج، في مدينة ممفيس. فقد استدعت ولاية مينيسوتا الأمريكية الحرس الوطني لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، من أجل استعادة الأمن، بعد اتساع أعمال العنف والاضطرابات على نطاق واسع  في جميع المدن الأمريكية، وخاصة في مسقط رأس جورج فلويد ، الرجل الاسود الذي لقي مصرعه علي يد شرطي أبيض. (عقب انتشار فيديو تسجيلي يصور حادثة القتل البشعة للشرطي الذي يضع ركبتية فوق عنقة جورج فلويد بلا رحمة، والرجل يستغيث ثم يفارق الحياة). 

ومنذ الثلاثاء الماضي، اليوم الذي وقع فيه الحادث، ومدينة مينيابوليس تشهد أكبر أعمال الشغب واحتجاجات متواصلة، شملت إضرام النيران في عدد من المباني وسط توقعات باشتداد حدة التوتر في الأيام القادمة. وقد وصل المتظاهرون السبت 30 ماي، رغم الحظر بسبب فيروس كورونا، وزيادة أعداد الاصابات إلى مبني البيت الأبيض . وقد منعت الحراسة الشخصية للرئيس ترامب من الوصول إلى حرم البيت الأبيض . وغرد الرئيس ترامب تغريدة أثارت حالة من الجدل بعدما أمرت باستخدام العنف .واستخدام النار الحية ضد المتظاهرين .(حجبت  تويتر التغريدة لانها تحتوي علي العنف).

وفي سياق الاحداث، عرضت محطة تليفزيون “كيه إس تي بي” المحلية الخميس الماضي . لقطات مصورة لعدد من المباني التي شبّت بها النيران ضمن تجمعات سكنية كثيرة.
ووسط هذا الغليان، أصدرت (إريكا ماكدونالد) التي تشغل منصب المدعي العام لولاية مينيسوتا بيانا مشتركا مع ضابط مكتب التحقيقات الاتحادي “إف بي آي”، يؤكد أن التحقيق في وفاة جورج فلويد “أولوية قصوى”. وجاء في البيان أن “التحقيق الاتحادي سيحدد ما إذا كانت الأفعال التي ارتكبها ضباط شرطة مينيابوليس السابقين انتهكت القانون الاتحادي”.
ورغم فصل الضباط الأربعة مباشرة من وظائفهم، إلا أن السؤال المطروح يدور حول ما إذا كان سيتم ملاحقتهم، ومعاقبتهم جنائيا، خاصة الرجل الذي وضع ركبته على رقبة جورج فلويد.
في هذا السياق، قال مايك فريمان، مدعي مقاطعة هنيبين أمام الصحفيين: “امنحونا الوقت كي ننجز المهمة على النحو الملائم، وسنحقق لكم العدالة. أعدكم”. وأقرّ الأخير أن أسلوب الشرطي الذي ظهر بالفيديو كان “مريعا”، وقال “مهمتي أن أثبت أنه انتهك قانوناً جنائياً”.
من جهتها، طلبت اللجنة القضائية بمجلس النواب الأمريكي، والتي يهيمن عليها الديمقراطيون، من وزارة العدل التحقيق في سوء سلوك تقول إنه ممنهج من جانب الشرطة، وذلك عقب موت عدد من الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية على أيديها.
ولم يقتصر الأمر على جورج فلويد في منيابوليس فحسب، بل هناك أيضا ضحايا آخرين من بينهم( بريانا تيلور )، التي تعرضت لإطلاق نار في شقتها في لويزفيل بولاية كنتاكي، وذلك وفق ما أوردته “رسالة” وقع عليها رئيس اللجنة القضائية بمجلس النواب جيرولد نادلر وغيره من الأعضاء الديمقراطيين، وُجهت لوزير العدل( وليام بار ) أنها ترجمة دقيقة لما قاله المناضل (مارتن لوثر كينج)، الزعيم التاريخى للسود الأمريكيين من أن «أعمال الشغب هى لغة غير المسموعين». من هنا يصبح كفاح السود وغيرهم من غير المسموعين، عملية مستمرة، حتى ولو وصل أمريكى أسود لسدة الحكم في البيت الأبيض. وليقتدي سود أمريكا وكل المهمشين، بما قاله (مارتن لوثر كينج )، من أنه «ليس هناك شيء اسمه نضال لأجل حق صغير، أو ظرفى أومؤقت، بل هناك النضال الدائم لأجل إنسان، خلقه الله حرا وعليه أن يعيش حرا وكريما». حادث مقتل جورج يفتح ملف العدالة والمساوة والتفرقة العنصرية في جميع دول العالم وخاصة في الشرق الأوسط. فمنذ واقعة السيدة (روزا باركس ) في خمسينيات القرن الماضي وهي سيدة أمريكية سوداء رفضت أن تترك مقعدها فى حافلة كانت تركبها فى طريقها إلى منزلها كانت قوانين الولاية فى ذلك الوقت تنص على أن يدفع السود ثمن التذكرة من الباب الأمامى وأن يصعدوا الحافلة من الباب الخلفى، وأن يجلسوا فى المقاعد الخلفية. أما البيض فلهم المقاعد الأمامية، بل من حق السائق أن يأمر الركاب السود الجالسين، أن يتركوا مقاعدهم من أجل أن يجلس شخص أبيض.
ولكن فى ذلك اليوم تعمدت باركس ألا تخلى مقعدها لأحد الركاب البيض وأصرت على موقفها، رافضة بكل بساطة التخلى عن حقها فى الجلوس على المقعد الذى اختارته. فقام السائق باستدعاء رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها بتهمة مخالفة القانون. وكان للحادث أثر كبير فى تأجيج مشاعر السود ضد الظلم والتمييز العنصرى، فقاطع السود حافلات الركاب لمدة سنة كاملة.مما سبب في خسارة الشركة.
ورفعت القضية إلى أعلى هيئة دستورية فى الولايات المتحدة، واستمرت المحاكمة لمدة 381 يوما. وفى النهاية خرجت المحكمة بحكمها، الذى نصر موقف روزا باركس، وتغير وجه حركة الكفاح ضد العنصرية على أساس اللون. وفى نهاية عام 1956 صار من حق السود الجلوس فى مكان واحد مع البيض وإعطاؤهم نفس الحقوق فى جميع القوانين. من هنا غيرت باركس حياة السود فى أمريكا بصورة دراماتيكية، ويعتبر تحديها واحدا من أهم الخطوات التى قام بها مواطن أمريكى أسود من أجل الحصول على حقوق متساوية، لما يتمتع به الأمريكيون البيض. من حرية التصويت والترشيح وكان محرما على السود. كانت الأوضاع تنذر برد فعل عنيف يمكن أن يفجر أنهار الدماء، لولا مارتن لوثر كينج، اتخذ للمقاومة طريقا آخر غير الدم. فنادى بمقاومة تعتمد مبدأ “اللا عنف” أو “المقاومة السلبية” على طريقة المناضل الهندى مهاتير غاندى، وكان يستشهد دائما بقول السيد المسيح عليه السلام: “أحب أعداءك واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيئون معاملتك”. وكانت حملته إيذانا ببدء حقبة جديدة في حياة الأمريكان ذو الأصول الأفريقية. فكان النداء بمقاطعة لشركة الأتوبيسات امتدت عاما كاملا، أثر كثيرا على إيراداتها، حيث كان الأفارقة يمثلون 70% من ركاب خطوطها. ترى هل أحداث مقتل جورج هذا الأسبوع سوف يفجر أحداث ستينيات القرن المنصرم من كفاح مارتن لوثر كينج؟ في عام 1963 قام بثورة لم يسبق لها مثيل بقوتها اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفا من البيض، متجهة صوب نصب( ابرهام لنيكولن) التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك، ألقى كينج أروع خطبه: “إني أحلم” التي قال فيها: “إنني أحلم اليوم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يوما في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم”.
ووصف كينج المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، لم تف أمريكا بسداده. فبدلا من أن تفي بشرف بما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكا بدون رصيد، شيكا أعيد وقد كتب عليه “إن الرصيد لا يكفي لصرفه”.
فدقت القلوب وارتجفت، بينما أبت نواقيس الحرية أن تدق بعد. فما أن مضت ثمانية عشر يوما حتى صُعق مارتن لوثر كينج، وملايين غيره من الأمريكيين بحادث وحشي، إذ ألقيت قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك زاخرة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فهرع كينج مرة أخرى إلى مدينة برمنجهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار الأحداث.
في العام نفسه أطلقت مجلة “تايم” على كينج لقب “رجل العام” فكان أول زنجي يمنح هذا اللقب، ثم حصل في عام 1964 على جائزة (نوبل للسلام) لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة -35 عاما-. ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر للزنوج وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخل بشكل عادل  إذ انتشرت البطالة بين الافارقة، فضلا عن الهزيمة السنوية التي يلقاها الأفارقة على أيدي محصلي الضرائب، والهزيمة الشهرية على أيدي شركة التمويل، والهزيمة الأسبوعية على أيدي الجزار والخباز، ثم الهزائم اليومية التي تتمثل في الحوائط المنهارة والأدوات الصحية الفاسدة والجرذان و الحشرات.
وفي عام 14 فبراير عام 1968، اغتيلت أحلام مارتن لوثر كينج ببندقية أحد المتعصبين البيض ويدعى (جيمس إرل راي) وكان قبل موته يتأهب لقيادة مسيرة في ممفيس لتأييد إضراب (جامعي النفايات) الذي كاد يتفجر في مائة مدينة أمريكية.
وقد حكم على القاتل بالسجن 99 عاما، غير أن التحقيقات أشارت إلى احتمال كون الاغتيال كان مدبرا، وأن جيمس كان مجرد منفذ للعملية.

 حلم مارتن نجح وتحقق يوم انتخاب وفوز  باراك حسين اوباما، اول رجل من اصول أفريقية يتولي مقاليد الحكم .
ورغم نجاح الأمريكيين السود فى القضاء على العبودية والفصل العنصري، فإن مجتمعهم ما زال يعانى حتى اليوم من مظاهر متخلفة ومشاكل عديدة بالمعايير الأمريكية. وبعد نصف قرن على خطاب مارتن لوثر كينج التاريخى «عندي حلم »، ما زالت الظروف المعيشية الصعبة للسود فى أمريكا قائمة. ومازال العنف يمارس ضد السود، وتظهر بيانات نشرتها صحيفة “واشنطن بوست”، أنّ 1014 شخصاً أسودا، قتلوا على يد الشرطة في عام 2019. وتبيّن عدّة دراسات أن الأمريكيين السود، أكثر عرضة لأن يقعوا ضحايا للشرطة، مقارنة بالأعراق الأخرى..
إلا أن تكرار حوادث المواجهات بين رجال الشرطة البيض فى الأغلب الأعم، وبين شباب سود وما ينتج عنها من أعمال عنف ومواجهات مختلفة، سواء كانت الحادثة مقرها مدينة فيرجسون بولاية ميسورى بوسط أمريكا، أو بضاحية ستاتين أيلاند خارج مدينة نيويورك فى الشمال الشرقى على سواحل الأطلنطى، أو فى شرق مدينة لوس أنجلوس فى قلب ولاية كاليفورنيا المطلة على المحيط الهادى، فقط تذكرنا بأن الطريق ما زال طويلا. ويعود طول الطريق لغياب أبسط قواعد «العدالة الاجتماعية»، والمتمثلة في كيفية توزيع الدخل وتخصيص الموارد، وإتاحة الفرص وسياسة منصفة للعقاب والثواب.
صحيح أنه لم يعد يحرم السود من دخول المطاعم ودور السينما المخصصة للبيض، وصحيح أنه أصبح منهم رؤساء مجالس إدارة شركات كبرى وأساتذة جامعيين وصحفيين لامعين، وأصبح منهم وزيرين للخارجية ومستشارة للأمن القومى ورئيسا للجمهورية. واعتقد بعض المهتمين بالشأن الأمريكى خطأ أن وصول ( أوباما ) لعرش البيت الأبيض عن طريق انتخابات حرة صوت فيها لصالحه ما يقرب من 42 مليون أمريكى أبيض أو ما يُعادل 72% من أجمالي الأصوات التى حصل عليها، تعد دليلا كافيا لما وصل إليه المجتمع الأمريكى فى نضج يتجاهل معه لون البشرة وخلفية الشخص، واعتبر البعض أن أمريكا تشهد مرحلة ما بعد العنصرية.
لكن يصعب القول أن الأمريكي الأسود نال كل الحقوق والفرص المتاحة لنظيره الأبيض، وإن كانت بالفعل تحسنت ظروف معيشة السود بشكل عام، لكن الفوارق لا تزال قائمة وصارخة. وطبقا لإحصاء عام 2014 بلغ عدد السود 42 مليون نسمة، أو نسبة 13% من إجمالي عدد السكان. وتبقى المشكلات الكبيرة للسود الأمريكيين، ممثلة فى عدة ظواهر مقلقة من أبرزها الفقر إذ يعيش 24.7% من السود تحت خط الفقر، وتبلغ هذه النسبة 12.7% على المستوى القومى الأمريكى.

*كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية 

Exit mobile version