نـور24

“جائحة كورونا” تفرض معايير جديدة للتنمية البشرية والأمن البيولوجي الإنساني


عبدالإله الوزاني التهامي

بضغط غير مسبوق من “ظاهرة” جائحة المرض المعدي الفتاك، أدت ضرورة البحث عن توازن قار ومستمر بين النمو الاقتصادي التنموي التطوري والحفاظ على كينونة الإنسان والبيئة، مع الاستهلاك المعقلن للطاقة والموارد الطبيعية في الغرب وأمريكا ـ أدت ـ إلى صيغ تطبيقية متناقضة في غالبيتها لامست البعد المادي والمعنوي و النفسي للإنسان، لا أقل منه حيثيات وتداعيات إرغام الناس وإقناعهم على المكوث في البيوت وفي نفس الوقت توفير ما يلزم لهؤلاء الناس من مأكل ومشرب و هدوء وطمأنينة وغير ذلك.

وأيا كانت طبيعة الفيروس والجهة التي فبركته وصدرته وكذا الجهة المستهدفة من خطره، أو أنه مرض طبيعي غير مصنع ولا يندرج في سياق حرب بيولوجية أو غيرها من حروب باردة أو ساخنة، يبقى المعني الأول والأخير في المسألة هو الإنسان في صورة ضحية مركزي.

ويعتبر البعض أن عملية استمرار آلة التطور والتنمية في أجواء الحرب ضد مرض معدي تلمس وترى دلائل فتكه بشكل يومي، شيء من الصعوبة بمكان ومن أعقد ما يمكن لاستتباب الأمنين الغذائي والبيولوجي في آن ورغم أن التنمية والتقدم نتاج تطور تاريخي لما بعد الحرب العالمية الثانية حدثا في أجواء أقل ما يقال عنها أنها مستقرة بحيث لم تعطل فيها قدرات الإنسان ولم تكبل فيها إرادته، فإن ذلك كله جاء عمليا في شقه الاجتماعي على حساب شعوب الجنوب “المتخلفة والمستعمرة”، وفي شقه الإيكولوجي على حساب البيئة والموارد الطبيعية.

لكن المفارقة الغريبة الخطيرة هي التي تحدث الآن في ظل هيمنة هاجس عابر للقارات يستهدف شتى الأجناس و الألوان والأديان من بني الإنسان، حتى تجاوز الأمر قضية احترام أسس الحياة السليمة، من قيم وكرامة وحدود وأخلاق وعدالة التي تعتبر أقصى مقاصد الإنسان، المبحوث عنها سلفا لاستكمال بنيان التنمية المستدامة الحقيقية، أي مراعاة كل ما يرتبط بالإنسان الغربي خاصة، من اقتصاد واجتماع وبيئة ــ تجاوزــ الأمر كل ذلك إلى تهديد الإنسان مباشرة في وجوده وكينونته.

وبالتالي فإن نمط مرتكزات التنمية المستدامة والتطور المطلوبين حاضرا ومستقبلا قد شمله تشكيك يستوجب إعادة النظر في المرتكزات التقليدية:

أ-المرتكز الاجتماعي: و يستوجب ليس فقط توفير التغطية الصحية لجميع المواطنين، وتيسير ظروف التعليم وتعميمه، والتصدي لمظاهر الفقر والمجاعة والتهميش، وتوفير ظروف العيش الكريم، وتشجيع العمل التنظيمي الحزبي والنقابي والجمعوي، بل وبناء الإنسان بناء بنيوي وروحي وعقلي على معرفة معنى الحياة وعلى تقديس حياة الإنسان وعلى الدفاع عن حياة الإنسان.

ب-المرتكز الاقتصادي: ويستوجب ليس فقط العمل على تغيير أنماط الاستهلاك والانتاج، ووضع ميزان تجاري تبادلي منصف وعادل ما بين الدول المتقدمة والشعوب المستضعفة، وإرساء قواعد عادلة للتعاون الدولي، بل ووضع قواعد ومعايير شفافة يخضع لها الجميع على حد سواء لتسود بين جميع الدول الثقة التامة في حب الخير لبني الإنسان وليس سيادة منطق القوة والغلبة والرأسمال والترسانة الحربية والأحلاف.

ت-المرتكز البيئي: ويستوجب العمل ليس فقط على تقنين التخلص من المقذوفات والنفايات الملوثة للبيئة، والوقاية من أسباب التصحر عبر الحفاظ على الغابات والمياه، والحفاظ على التنوع البيولوجي، والتخطيط لنظام زراعي يناسب الصحة العامة ويحترم البيئة، بل وجعل البيئة شيئا يعادل الحياة باعتبارها فعلا مصدر الحياة ومصدر الاستقرار السليم والسلمي على وجه الأرض، وعليه سيتم صياغة سبل مشتركة جديدة للحفاظ على هذه البيئة تساهم فيها كل شعوب العالم.

ورغم الضغط النفسي والمادي الكبير للجائحة فإن أبعاد التحضر والتنمية الإنسانيين تظل منحصرة في: السلام، والبيئة، والاقتصاد، والعدالة، والكرامة، والحرية، والديموقراطية.

فالاقتصاد ــ في الأجواء الهادئة والسليمة ــ يفرز الموارد الأساسية للتحضر، والأمن يتيح الفرص المضمونة لتنمية هادئة، والبيئة الطبيعية المحروسة توفر المناخ السليم الطاهر للتنمية، والعدالة الاجتماعية تمتن الروابط وتشيع المساواة وتنشر الاستقرار، والديمقراطية تؤدي الى تنمية قدرات الأشخاص والجماعات بفعل تعايشهم وتدبيرهم للشأن العام.

وبالعكس فتحت سماء “الجائحة الشائعة” تدمر البيئة وتهدر الطاقات وتستنزف الثروات وتعطل العقول وتكبل السواعد بأشكال مختلفة .

وبما أن الهم الرئيسي في شأن التنمية والتقدم لدى الغربيين والأمريكيين يلامس جوانب الرفاه البشري

LE BIEN ETRE

وعلى رأسها: التعليم والصحة والشغل والاستقرار النفسي والأمن الغذائي، فإن الانتشار الواسع للأمراض وخاصة “كورونا” أظهر حقيقة الإنسان، كونه أضعف مخلوق، وكون الإنسان مدعي التحضر يسقط منهزما أمام سطوة ظاهرة خارقة لم يتفطن يوما للاستعداد لمواجهتها لا علميا ولا بأية طريقة أخرى رغم ادعائه لامتلاك كل ما من شأنه تدمير الكون أو “إحيائه”.

يعني أن الغربيين المتبجحين بالمدنية والتقدم لم يتخذ الإنسان في ثقافتهم محورا رئيسيا لتلك التنمية ولتلك المدنية ولذلك التقدم، مما يعني أن كل عملهم هدر للموارد والطاقات وضياع للوقت واحتقار لكرامة الإنسان، وكأن الإنسان يستعمل كآلة لخدمة الإنسان ذاته الذي هو بمثابة آلة وفق المنطق أعلاه.

إذن فلب التنمية البشرية يجب أن ينصب حول ما يلي:

1 تنمية الإنسان: وتعني توفير كل ما يحتاجه الإنسان ثم تطوير قدراته وصقل مواهبه حتى يصبح فاعلا ومنتجا.

2 تنمية لصالح الناس: وتعني توزيع الثروات وقطف ثمار جهود الإنسان وتعميمها بشكل عادل على كل إنسان.

3 تنمية من الناس: وتعني إشراك كل إنسان وإتاحة الفرص في وجهه سواء في دوائر السلطة ومواقع القرار أو في المعمل أو في المزرعة… ليدلي بدلوه وينتفع بعلمه وعمله.

كل ذلك من الإنسان ولصالح الإنسان، تشخيصا لعمق كينونة الإنسان المادية والروحية.

إن ما اجتاح العالم بسبب الجائحة العابرة للجغرافية وغير المفرقة بين الأجناس يفرض على المسؤولين والهتمين والعلماء والمثقفين والإعلاميين في مغربنا على وجه الخصوص، التفكير في العمل على إعادة بناء الإنسان بما يضمن صون كرامته، وجعل هذا الانسان في قلب الاهتمام والمدارسة، لأنه أداة التنمية ووسيلتها وغايتها، أي أن هذا الإنسان هو الاستقرار بعينه.

نقول هذا ونحن كغيرنا نعلم أن في ثقافتنا و في ساحاتنا وفي مؤسساتنا “أوبئة” وعراقيل وحواجز متوارثة تحول دون إتاحة الفرصة لهذا الإنسان بأن يكون إنسانا، ومنها:

نمط حياة متحكم فيه سياسيا: إن غياب الديمقراطية وانعدام الشفافية يقصيان الشرائح المجتمعية المتعددة من تدبير شأنهم العام، وهذا مؤشر على طغيان الاستبداد، وإهدار طاقات المجتمع الحية، مما يفرز تنمية متحكم فيها من قبل نخبة بيروقراطية تيكنوقراطية “أعيانية” مختارة.

نمط حياة مزيف وموجه إعلاميا: إن ممارسة التضليل والتعتيم الإعلاميين على المواطن الإنسان، يخلقان لديه عقلية العبيد و”ذهنية القطيع” القابلة للتوجيه، غير القادرة على النقد والتقويم.

نمط حياة محتكر اقتصاديا: إن حرمان المواطنين من توزيع عادل لخيرات وموارد البلاد، وعدم كشف نوعية وأرقام ثروات البلد وأهميتها الاستراتيجية ، وانعدام ضوابط ومساطر واضحة تنظم مجال المال والاستثمار بشكل تسوده الشفافية في تكافؤ الفرص أمام الجميع، عوامل مجهضة لجوهر حياة الإنسان.

نمط حياة أبتر ومخروم: إن فرض كثير من القيم والسلوكات المستوردة بدعوى “الانفتاح والحوار والتعايش”، تؤدي إلى خلخلة تراث وثقافة وأصول الإنسان المغربي، بحيث يضرب ذلك في العمق جذوره التي تختزل في جوهرها خميرة وبذرة النمو والتطور والتحضر، وتحيله عنصرا لقيطا يستجدي بضاعة غيره و يتبناها.

فهل ستجتاح عقولنا و “كراسينا” عبرة “الجائحة” لنقوم بانقلاب جدري جماعي على ماضينا وحاضرنا الأسودين، أم سنستسلم من جديد لما سيمليه علينا “سيد افتراضي” قد نصنعه نحن ـ العبيد ـ إن تعذر وجوده رضوخا لمرضنا واستلاما بين يدي السيد، ضدا على إرادة شعبنا المثخن بالجروح والآلام .. والآمال.

Exit mobile version