
آسية اعلوشن
كل شيء في هذا الكون الفسيح يمر بدورة حياتية تتلخص في ثلاث مراحل: النشأة /النمو/الموت. كذلك هي الحضارات، تنشأ فتزدهر ،لتبلغ ذروتها، ثم تسقط فتتلاشى مسلِّمة الريادة لحضارة أخرى لتصبح في طي النسيان؛ إلا أن حياة الحضارات تختلف باختلاف الأسس و الركائز التي بُنيت عليها و بمدى شرعية المبادئ و القيم التي خُلقت من أجلها. و ما نشهده اليوم على وجه التحديد هو “نهاية الحضارة الغربية”.
أجل، إنها لحظات الاحتضار الأخيرة لحضارة اعتلت عرش الريادة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عقدنا هذا، لتعرف خلال العشر سنوات الأخيرة مجموعة من الاختلالات ستؤدي بها لا محالة، في المستقبل القريب، إلى الانهيار التام.
من يحمل لواء زعامة العالم؟؟؟
يمكننا القول جازمين، على المستوى الفكري والأدبي وحتى الفني، أن الغرب ضل حبيساً لعصر الأنوار ، حيث عرف الأدب بصفة عامة، و الفلسفة بصفة خاصة، جمودا وركودا غير مسبوقين؛ فجلّ اهتمام صنّاع القرار انصب حول الاقتصاد و صناعة المال وجلب الثروات و الأرباح، فيما أهمل “الإنسان” و كل ما يغذي عقله و روحه من فكر وأدب.
أما على المستوى الاقتصادي، فَحَرِيٌّ بنا القولأن النظام الاقتصادي الغربي كسول تحكمه عقلية القراصنة. بمعنى أن الغرب لا يعمل لكي ينتج، كما يعتقد كثيرون، بل ينهب و يستنزف ثروات الآخرين باستعمال القوة. و لعل الاستعمارات و الحروب التي شنتها دول الغرب على بلدان القارة السمراء خير دليل على صحة ما نقول. و لطالما وجد الغرب لنفسه ذريعة تسُوغ هجماته العسكرية.
على سبيبل المثال لا الحصر ، اغتصب الاستعمار البريطاني و الإسباني و الفرنسي ، الأراضي الأفريقية تحت غطاء الحماية. فيما ادّعى كريستوف كولومبس اكتشاف أمريكا ؛ في حين أن أمريكا كان يسكنها شعب تمّ إبادته عن بكرة أبيه. و يبدو أن الأمر أشبه بمن دخل بيت أحدهم و صرخ قائلا: لقد وجدت منزلا، لقد عثرت عليه. و لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية ،على الرغم من كونها القوة الاقتصادية العظمى، تنهج نفس النهج ، لكونها تستهلك أكثر مما تنتج؛ كما أن معدل وارداتها يفوق صادرتها بكثير. لذلك فهي تركز أساسا على تقوية ترسانتها العسكرية؛ تلك القوة التي تمكنها من نيل مطامعها
والسيطرة على حقول النفط و مناجم الذهب متى أيقنت أنه موجود في أي بقعة من بقاع العالم، كما هو الشأن في الحرب على العراق و أفغانستان بحجة القضاء على الإرهاب.
إذن، فالمبادئ التي قامت عليها الحضارة الغربية، هي مبادئ غير مشروعة تم تسويقها تحت شعارات مزيفة كالحرية و تحرير الشعوب و المساواة و التعاون الاقتصادي، إلا أن هناك 3 عوامل أساسية أدت، في منظورنا الشخصي، إلى انهيار الحضارة الغربية؛ نذكرها بعجالة كالآتي : العولمة،الرأسمالية و تعدد الثقافات(multiculturalisme ).
كانت العولمة الاقتصادية و السوق الحرة بمثابة الوجبة الجاهزة التي قدمت على طبق من ذهب للصين و الهند جعلتهما ينشطان اقتصاديا، خصوصا بعد دخولهما منظمة التجارة الدولية، مما سارع في نموهما بوتيرة ملفتة جعلتهما منافستين قويتين للدول العظمى، بل كفيلتين بالإطاحة بها و تسلُّم زمام القيادة.
إلى جانب العولمة الاقتصادية، توجد أيضا الرأسمالية الجشعة التي اتخذت من المال ربّا لا يمكن عصيانه؛ فالكل تحت إمرته بما في ذلك الإنسان؛ وعوض أن يسخر الاقتصاد لتحقيق رفاهية الشعوب، صار الإنسان عبدا له يعمل كالآلة ليل نهار و فقا للقوانين مادية محضة، الأمر الذي أحدث اختلالات و فجوات عميقة في هذه المجتمعات المحكومة بمنطق الربح و الخسارة، بدل الاخلاق و القيم الإنسانية السمحة.
و لمّا كانت الحضارة الغربية قائمة على مبدأ “البقاء للأقوى، البقاء للأصلح”، اعتبر استغلال الدول الضعيفة أمرا مشروعا؛ وإلى جانب الثروات الطبيعية، التي تنهبها هذه الدول الامبريالية تحت مسميات عديدة ، كان استغلال الثروة البشرية أكبر مطامعها، نظرا لحاجتها الماسة لليد العاملة، و ضعف نموها الديمغرافي، عكس دول الجنوب، مما دفعها لنهج سياسات الاندماج و التعدد الثقافي لتشجيع هجرة العمال من دول الجنوب نحو دول الشمال.
لكن يبدو أن السحر قد انقلب على الساحر.و ها هي اليوم تحاول جاهدة التخلص من المهاجرين الذين جاؤوا حاملين ثقافاتهم على اختلاف ألوانها ،فوق رؤوسهم، و لم يتركوها خلف ظهورهم. فعملوا و تعلموا فيما اكتشفت الدول الغربية ، بعد فوات الأوان ، أنها الطرف الخاسر في لعبتها القذرة… و كما يقال “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”…
إلا أن أزمة” كورونا” كانت القطرة التي أفاضت الكأس وكشفت زيف الديمقراطية الغربية و تآمرها على شعوبها و شعوب العالم. أزمة كورونا ضربة قاضية نخرت عميقا في الجسد الغربي، أسقطته أشلاء متناثرة، لا يعيد لمّ شملها لا اتحاد أوروبي و لا أمم متحدة. فكورنا اعلنت وفاة الاتحاد الأوروبي والعالم الغربي أجمع..فمن تراه يحمل المشعل و يقود العالم مرة أخرى؟