نـور24

الفاعل الحزبي السياسي المحلي بإقليم شفشاون وسبل التأهيل (5)

صهيب مهدي

5ـ بين أزمة الديمقراطية التمثيلية ورهانات ديمقراطية القرب التشاركية:

يعرف الحزب السياسي في مسار تطوره كغيره من المؤسسات السياسية أزمات تعبر عنها مختلف اختلالات والانكسارات وضعف الأداءا والمردودية … تؤثر بشكل كبير على الفاعل السياسي الحزبي المحلي، فبفعل الممارسات والعادات والتي سبق الاشارة لبعضها على مستوى الفعل السياسي المحلي بإقليم شفشاون، بهدف إعطائها العناية والاهتمام الكافي لمعالجتها والبحث عن الحلول الممكنة وتجاوز انتكاساتها المباشرة وغير المباشرة على الحياة السياسية، سواء على مستوى العلاقات الداخلية للحزب أو علاقاته مع المجتمع ومؤسسات الدولة وغيره من الاحزاب والنسيج المدني المجتمعي… وعلى مستوى التدبير السياسي وإدارة التنمية بمفهومها الشمولي، مؤسساتيا ومجتمعيا.

فالاداء السياسي لأي مؤسسة سياسية يحتاج الى الدواء المناسب لتجاوز، الانتكاسات المحتملة التي تفضي الى الاساءة لها وفشلها في عملها وبرامجها وعدم قيامها بالوظائف المطلوبة منها، يفرض علينا طرح الأسئلة والبحث عن الاجوبة المناسبة، وعن أسباب الأمراض وتحديد نوعها لوضع العلاج المناسب لعل المرض يشفى بشكل نهائي أو يوقف انتشاره وخطره، حيث حينما يتعلق الأمر بالمؤسسات والتنظيمات السياسية بما فيها على المستوى المحلي، والتي تقوم بوظائف ومهام تتجاوز إمكاناتها وأكبر من حجمها أو لا ترقى للانتظارات المنوطة بها، أو تقوم بأعمال ليست من اختصاصها، أو عندما تكلف بمهام أكثر مما تستطيع وتستحق، ففي اختلال علاقات الوظائف بالإمكانيات والقدرات والمكانة والسمعة والوزن والهيبة…، تفضي النتيجة النهائية القريبة والبعيدة المدى الى اعتلالات يصعب تداركها، فالمكونات المريضة للجسم السياسي تلحق الضرر بالجسد كله أو بعضه وتتسبب في إضعافه وتمس بالمكانة المفروض توفرها دستوريا وقانونا من تأطير المواطنين والمواطنات وتمثيل الشعب في المؤسسات الدستورية ومنها المؤسسات التشريعية والتنفيذية.

وإذا كان تاريخ الإفراج عن مواعيد الانتخابات يشكل تاريخيا بالمغرب، لحظة سياسية مفصلية، ولحظة تستحق التأمل في بعض مظاهر الاعتلالات الحزبية وتقديم بعض الاجابات الممكنة، وبعد حسم وزارة الداخلية إجراءاتها وموعدها المقررة سنة 2021، بعد اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني بأحزاب المعارضة، والذي تداول في مختلف النقاط المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها الإسراع بتحديد تواريخها. فموعد الاستحقاقات الانتخابية وما يتناسل حولها من تكهنات وإشاعات،  شكل دائما سياق خاصا لدى الفاعلين السياسيين، والباحثين تزداد خصوصيته هده المرة مع صعوباته على المستوى الوضع الوبائي والسياسي، وعلى مستوى رفع سقف الانتظارات الاقتصادية والاجتماعية والاجابة على معضلات التنمية بالبلاد من خلال الانخراط في بلورة نموذج تنموي جديد.

ونلاحظ خلال هذه اللحظة المفصلية في إقليم شفشاون، ارتفاع منسوب عدم الرضى على الفاعل الحزبي، حتى من طرف الفاعلين الحزبيين المحليين أنفسهم من خلال عدم استقرارهم الحزبي، واتساع فجوة عدم اقتناع طيف واسع من المواطنين المغاربة بأي طرح أو بديل سياسي حزبي ممكن، قادر على مواكبة الإصلاحات الجوهرية التي أقدمت عليها الدولة على مستوى التنظيم الترابي وبالخصوص القوانين الانتخابية، لعل اهم مؤشراتها عدم توفر الفاعلين المحليين على برامج حقيقية تتجاوز الجمل الانشائية، ومحدوديتها في إقناع المواطنين بالجواب المناسب، مع استمرار الصراعات حول الأعيان والإحسان السياسي.

 ان مواكبة المرحلة الحالية وتجاوز الحلول اللحظية اليومية، والقدرة على طرح برامج وبدائل انتخابية إلى حدود اللحظة، رغم مفصلية الزمن السياسي والاقتصادي الراهن، يرتبط الى حد كبير بقدرة الفاعل الحزبي المحلي على الانخراط في هذه الديناميات، والترافع على مخرجاتها، فالأحزاب السياسية بانتقالها من مخلفات المرحلة السابقة لسيادة الديمقراطية التمثيلية عالميا، وضرورة انخراطها في ديناميات رهانات ديمقراطية القرب التشاركية، مفروض عليها اعادة النظر في الياتها، وفي علاقاتها بالمجتمع وبباقي مؤسسات الدولة الاخرى. ومحدودية الفعل السياسي الحزبي محليا، وعدم قدرته على احداث التأثير المطلوب، سواء مثل الفعل السياسي التدبيري على مستوى المؤسسات التمثيلية أو مثل الفعل المعارض لهذا التدبير، فلا نحتاج لبدل جهد كبير أو مجهود علمي ضخم… لتأكيده حيث مختلف المؤشرات البادية للعيان تؤكدها وتحيل لوجود أزمة حقيقية، على مستوى الوعي بالقضايا التي تؤرق المواطنين، وعلى مستوى تحليلها والبحث الجدي عن مخارج لها، حيث تنامي دور إدارة القرب السياسي تفترض فاعل محلي قادر على هذه المواكبة.

برزت إدارة القرب لتجاوز اختلالات طرح موضوع التنمية المحلية كقضية وسياسة حكومية، تحاول تجاوز سلبيات عدم  إشراك السكان في تدبير شؤونهم إشراكا حقيقيا، ففي ظل سيادة مركزة القرار وتعليمات السلطات المركزية، أصبح اليوم طرح الحلول التنموية لمختلف مناطق الدولة ومواكبة مقتضيات التدبير التنموي المرتكز على المساهمة المؤسساتية والمجتمعية عبر منح الجماعات مجالا مهما للتحرك وفضاء عموميا رحبا للتشاور وإيجاد الحلول، مسألة حيوية من خلال إدارة القرب كأداة حقيقية لتحديث مؤسسات الدولة الترابية. حيث انخراط هذه الجماعات في تدبير التنمية لا يمكنه إلا أن يفرز إشراك الساكنة المحلية سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في إدارة الشؤون المحلية من جهة، ومتطلبات تحقيق التنمية تفرض هذه المشاركة، وعبر هذا الترابط يتحقق تعبير هذه الإدارة المحلية عن طموحات الساكنة من خلال تدخل الجماعة في الدفع بعجلة الاقتصاد المحلي عبر تدخلاتها المتعددة…، لهذا يظل ميكانزيم القرب إحدى أهم تجليات التدبير الحديث، فمن خلال مختلف الاليات القانونية والواقعية الممنوحة للجماعات تعمل على تجسيد سياسة القرب من تطلعات الساكنة المحلية باعتبارها اليات مهمة لتعزيز التدبير الجماعي التنموي، وهذا ما يقتضي تناول المفهوم وتحديد مجالاته من خلال إبراز المزايا المتعددة لإدارة القرب والتي تقدم مبررا مهما لتزايد الاهتمام بها واستحضارها في أي مشروع ترابي تنموي باعتبارها تشكل إحدى أهم المقومات الذاتية لتدبير التنمية،

أصبحت الجماعات الترابية تشكل محطات أساسية لإنعاش التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لهذا يتطلب تدبير التنمية المحلية توسيع شراكاتها وتنويع علاقاتها مع كافة المتدخلين المحليين، فالشراكة اليوم تعد رافعة أساسية لتنمية المجالات الترابية وقيمة إضافية لتطوير وتعزيز قدراتها، خصوصا إذا ما توفرت معها مجموعة من الشروط، كإصرار  المنتخبين، وتوفير الدعم التقني من طرف الإدارة المركزية والترابية واستغلال الإمكانيات والطاقات البشرية التي تتوفر عليها الجماعات الترابية.

فقد ساهمت مختلف العوامل الدولية بشكل كبير في تنامي دور الجماعات الترابية، إضافة الى تحدي تمويل المشاريع وتكلفتها، للعب دور أكثر ديناميكية، بنفس درجة مساهمة العوامل الداخلية التي رسخت هذه الطفرة نتيجة عدة أسباب من بينها تراجع دور الدولة بسبب أزمة القطاع العام وتزايد النفقات العمومية وسوء التسيير والتدبير…، وهكذا أصبح الحديث عن التنمية المحلية بالمغرب يفرض ضرورة تدخل مختلف الفاعلين المحليين، الرسميين أو غير الرسميين، الترابيين وغيرهم…، لفك العزلة عن الفاعل الترابي وربط محيطه المجالي بديناميات التنمية وروح التدبير الحديث لمتطلباتها، حيث أصبحت التنمية المحلية عملية مركبة تتم بواسطة فاعلين محليين متعددين عبر سياسات متكاملة ومندمجة تأخذ بعين الاعتبار المحيط والاعتبارات السوسيو-اقتصادية و الاختلالات المجالية، في إطار من التكامل والتشارك بين مختلف هؤلاء المتدخلين،  فعملية التنمية المحلية في الوقت الراهن تعد عملية معقدة تتطلب مشاركة وإدماج مختلف الفاعلين، فهي لم تعد مجالا خاصا بالسلطات المركزية لوحدها بل تجاوزتها لتصبح جزء من أولويات الجماعات الترابية باعتبارها النواة الصلبة التي تتمحور حولها المنجزات التنموية التي يتم تحقيقها عموديا وأفقيا، وأصبح مبدأ الشراكة الترابية الجماعية يعد من مرتكزات التنظيم الترابي لهدفه المتمثل في تكثيف مختلف الجهود لتحقيق التنمية على مستوى تدبير الشأن العام المحلي ومساهمته في تعزيز أواصر التعاون بين النخب الجماعية ومختلف مكونات المجتمع المحلي، فالشراكة بين الأفراد عبر تعبيراتهم الجمعوية وبين الجماعة تعتبر المدخل الأساسي لصياغة الفضاء العمومي المحلي عبر مجموعة من الميكانيزمات التي يمكن للأفراد والجمعيات التعبير من خلالها على احتياجاتهم وأهدافهم والتزاماتهم … في المساهمة حسب إمكانياتهم في صياغة القرار الجماعي المحلي والمساهمة الفاعلة في تحقيقه تدبيرا تنمويا على أرض الواقع، وبالتالي نقل طموحاتهم ومجهوداتهم إلى الفضاء المؤسساتي الرسمي حتى لا تظل مبعثرة وغير ذي جدوى.  فممارسة الديمقراطية المحلية تتجاوز الصياغة القانونية الدستورية والمشاركة الانتخابية الشكلية الموسمية الى فن للتدبير المحلي بمختلف تجلياته، باعتبار الديمقراطية فن للحياة ومسار طويل لإعادة تنظيم مؤسسات المجتمع المدني

تبقى  التجربة الواقعية هي التي ستظهر الواقع الحقيقي للممارسة الديمقراطية  التشاركية.. وذلك تماشيا مع ما عرفته الديمقراطية المعاصرة في بعدها التمثيلي من تراجع كبيرا لصالح البعد التشاركي بفعل مجموعة من العوامل أبرزها طول الفترة التي تفصل بين الانتخابات…وأصبح التمييز بينهما يكتسب راهنيته، رغم النقاش حولهما نقاش فلسفي قديم مع جون لوك وجون جاك روسو…الذي يعتبر من أبرز المدافعين عليها. وحسب هذا التوجه فإن الانتخابات ليست فقط ضمانة للديمقراطية بل يمكنها أحيانا أن تجهز عليها. فاستكمال الديمقراطية التمثيلية بآليات الديمقراطية المستمرة حيث تتيح وتسمح للمواطنين بمراقبة مستمرة ودائمة لمنتخبيهم مع إمكانية لتوجيه القرار والتأثير عليه خارج الفترات الانتخابية.

لهذا تعتبر الديمقراطية التشاركية من الآليات الأساسية الحديثة التي يتم عبرها ضمان إشراك الساكنة والهيئات المدنية والفاعلين الاقتصاديين في اتخاذ القرار وتتبع تنفيذه، وبالتالي تعد شكلا من أشكال الرقابة الشعبية والمجتمعية على صانعي السياسات العمومية ومدخلا مهما لتحقيق الحكامة في تدبير الشأن العام، وذلك من خلال مساهمتها  في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. 

فإذا كان الدستور قد أكد على مبدأ الديموقراطية التشاركية وحق المواطنين والمواطنات والجمعيات في المشاركة في صنع السياسات العمومية سواء على المستوى الوطني أو المحلي/الترابي ، فإنه للحكومة إصدار القوانين التنظيمية المحددة لشروط وكيفيات ممارسة هذه الحقوق. فمنسوب تأثير الفعل السياسي والثقة التي يكتسبها في أي نظام سياسي يحدد  لدرجة كبيرة قيمة نخبه السياسية ومستوى نضجها في التفاعل مع القضايا الجوهرية التي تهم الوطن والمواطنين، وبلا مقدمات كثيرة، فحاجتنا اليوم حيوية الى ممارسة وخطاب سياسي محلي متفاعل وجدي، يتجه إلى عمق الأشياء، ولا ينزع إلى الاشتغال والإشغال، بالسفاسف والذاتيات، وبالطبع، فهذا التوجه يقتضي توفر عناصر أساسية،أولها الارادة السياسية التي يفتقدها الكثيرون من ممتهني السياسة في واقعنا المحلي.

Exit mobile version