
هناء مهدي
تتسلل في صمت، ولكن بخطورة بالغة، ظاهرة أصبحت تهدد الصحة النفسية للمغاربة في عمقها: انتحال صفة “المعالج النفسي الإكلينيكي” من طرف أشخاص لا يملكون لا علماً ولا تكويناً، ولا يدركون ثقل المسؤولية التي يحملها المتخصص الإكلينيكي الحقيقي على كتفيه.
لقد تحوّل المجال، للأسف، إلى فضاء مفتوح يتجرأ فيه كل من شاء على “مداواة النفوس” دون معرفة، ودون تدريب، ودون تأطير مهني، ودون ضمير علمي.
فصار المواطن البسيط يجد نفسه بين أيدي أشخاص يلقّبون أنفسهم بـ”كوتش”، أو “خبير طاقة”، أو “ممارس في التنويم المغناطيسي”، بينما هم في حقيقة الأمر لا يملكون أي تكوين جامعي في علم النفس الإكلينيكي، ذلك التخصص الذي يتطلب سنوات طويلة من الدراسة الدقيقة، والإشراف المستمر، والتكوين العلمي الصارم.
خطر يقترب من جوهر الإنسان
الصحة النفسية ليست مجالاً للتجريب، ولا ورشة يتعلم فيها المتطفلون على حساب معاناة الآخرين.
فالخطأ هنا لا يصيب عضواً جسدياً يمكن علاجه، بل يمسّ الوجدان، الذاكرة، الهوية، والاتزان الداخلي.
والتدخل غير السليم في هذا الحيز الحساس قد يخلّف جروحاً أعمق من تلك التي حاول “المريض” علاجها.
من هو الأخصائي النفسي الإكلينيكي الحقيقي؟
وفق المعايير العلمية الرصينة، فإن لقب “أخصائي نفسي إكلينيكي” لا يُمنح اعتباطاً، بل يُكتسب عبر:
- خمس سنوات على الأقل من التكوين الجامعي المتخصص في علم النفس الإكلينيكي.
- تدريب ميداني طويل داخل المستشفيات والمؤسسات الصحية.
- تكوين في أدوات التشخيص الإكلينيكي المعتمدة علمياً.
- التزام صارم بأخلاقيات المهنة والمسؤولية الإنسانية.
إنه تكوين يجمع بين العلم والخبرة والإنسانية… وليس لقباً يُشترى عبر دورة تكوينية سريعة أو ورشة تنويم مغناطيسي!
أصحاب الشعارات البراقة… وخطر الوهم
يتزايد عدد من يقدّمون أنفسهم كـ“معالجين نفسيين” دون أي أساس علمي، يبيعون الأمل المعلّب والوعود السهلة، ويستغلون هشاشة الناس ومعاناتهم.
والخطر الأكبر أنهم:
- يخلطون بين العلاج والإرشاد الشخصي.
- يقدمون نصائح غير مسؤولة قد تفاقم الأزمات النفسية.
- يتدخلون في حالات حساسة تحتاج متخصصاً مؤهلاً أو طبيباً نفسياً.
- يجرّبون “تقنيات” لا سند علمي لها، على أرواح تشتكي الألم وتبحث عن النجاة.
هذه ليست مساعدة… إنها مقامرة بالعقول.
ضحايا لا يُسمع صوتهم
وراء هذه الفوضى، قصص موجعة لا تصل إلى العلن:
أشخاص تفاقمت نوبات الهلع لديهم بسبب تدخلات جاهلة؛
نساء فقدن توازنهن النفسي بعد جلسات “طاقة” غير مسؤولة؛
مرضى اكتئاب أوقفوا الدواء بناء على نصائح كوتش… فانتهى بهم الأمر نحو انهيار خطير.
كل ذلك لأن الطريق إلى “المعالج الإكلينيكي الحقيقي” تُرك مفتوحاً لمن ليس أهلاً له.
فتح الباب… وإغلاق الثغرات
إن حماية الصحة النفسية للمغاربة ليست ترفاً، بل ضرورة ملحة، تتطلب:
- تقنين صارم وحازم لممارسة العلاج النفسي الإكلينيكي.
- حملات وطنية لفضح الدخلاء وكشف مخاطر اللجوء إليهم.
- وضع لائحة وطنية واضحة للمتخصصين الإكلينيكيين المعتمدين.
- تشديد العقوبات على منتحلي الصفات المهنية الذين يعبثون بمصير المواطنين.
الخلاصة… لأن النفس الإنسانية ليست مجالاً للاجتهاد
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد فوضى مهنية، بل هو اعتداء صامت على حق الإنسان في علاج نفسي آمن ومسؤول.
وترك هذا الباب مفتوحاً لكل من أراد أن يجرّب على النفوس، هو تجاهل لجوهر العلم ولأخلاقيات المهنة.