
نور24
أثار الاختفاء المفاجئ للخبير الاقتصادي الجزائري “جلول سلامة” موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الأكاديمية والحقوقية، بعد أيام قليلة فقط من تقديمه قراءة تقنية ناقدة لمشروع استغلال منجم “غار جبيلات”، أحد أضخم المشاريع المنجمية التي تراهن عليها السلطات الجزائرية في خطابها حول “السيادة الاقتصادية”.
وحسب معطيات متداولة على نطاق واسع، فإن سلامة، وهو مهندس ودكتور في الاقتصاد وخبير معروف في التسيير المالي، اختفى عن الأنظار دون أي توضيح رسمي بخصوص وضعيته القانونية أو الجهة التي قامت بتوقيفه، ما فتح الباب أمام اتهامات بوجود **توقيف خارج إطار القانون**، خاصة في ظل غياب أي بلاغ رسمي أو إشعار لعائلته أو محاميه.
ويُعرف جلول سلامة بكونه محللا اقتصاديا تقنيا غير منخرط في العمل السياسي أو الحزبي، وسبق له الظهور المتكرر في وسائل إعلام عمومية وخاصة لتحليل السياسات الاقتصادية للدولة. وفي مداخلته الأخيرة، لم يُشكك في مشروعية مشروع غار جبيلات من حيث المبدأ، بل ركّز على “إكراهاته البنيوية واللوجستية”، مستندا إلى معطيات رقمية تتعلق بارتفاع كلفة النقل، وبعد المنجم عن الموانئ، وضخامة الاستثمارات المطلوبة، معتبرا أن تحقيق الربحية لن يكون ممكنا إلا على المدى الطويل جدا.
كما شدد سلامة على ضرورة إعطاء الأولوية “للتصنيع المحلي وتحويل خام الحديد داخل الجزائر” بدل تصديره في شكله الخام، خاصة بسبب ارتفاع نسبة الفوسفور فيه، وهو طرح ينسجم نظريا مع الخطاب الرسمي حول خلق القيمة المضافة وتعزيز الاستقلال الصناعي. غير أن هذا التحليل التقني البحت بدا، وفق متابعين، وكأنه تجاوز “الخطوط غير المعلنة” للنقاش العمومي، ليتحول المشروع من ملف اقتصادي قابل للنقد إلى ما يشبه “المنطقة المحصنة سياسيا “.
ويأتي هذا الجدل الداخلي في سياق إقليمي متوتر بين الجزائر والمغرب، حيث أعاد قرار الجزائر الشروع في استغلال المنجم بشكل أحادي إحياء النقاش حول *الإطار القانوني الدولي المنظم لغار جبيلات*، خاصة في ظل وجود معاهدة تعاون موقعة بين البلدين سنة 1972، نصت على إنشاء شركة جزائرية-مغربية مشتركة لتطوير المنجم وتسويقه، مع التأكيد على السيادة الكاملة للجزائر عليه.
ورغم أن الاتفاق لم يُفعَّل على أرض الواقع بسبب تعقيدات سياسية، فإنه يظل، من الناحية القانونية، قائما ما لم يتم إلغاؤه أو تعديله باتفاق صريح بين الطرفين، وهو ما يجعل الاستغلال الأحادي للمنجم موضوع نقاش قانوني مشروع. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن القراءة الاقتصادية التي قدمها سلامة تفسر جزئيا **هدوء الموقف المغربي** وعدم لجوئه الفوري إلى التصعيد القانوني، باعتبار أن العائد الاقتصادي للمشروع، في صيغته الحالية، يبدو محدودا مقارنة بحجمه الإعلامي.
وتعيد قضية اختفاء جلول سلامة إلى الواجهة سؤالا أعمق يتعلق بحدود *حرية التحليل الاقتصادي* في الجزائر، وما إذا كان إبداء رأي تقني مدعوم بالأرقام قد أصبح يُنظر إليه كتهديد سياسي، في وقت يفترض فيه أن تشكل الخبرة المستقلة ركيزة أساسية لصناعة القرار الرشيد.
وفي ظل الصمت الرسمي المستمر، تتزايد الدعوات من داخل الجزائر وخارجها إلى توضيح مصير الخبير الاقتصادي، واحترام الضمانات القانونية، باعتبار أن حماية حرية الرأي العلمي والتقني ليست ترفا، بل شرطا أساسيا لأي مشروع تنموي حقيقي.