نـور24

الثورة آتية.. لاريب فيها

محمد سعد عبد اللطيف*

هل نجحت ثورة الياسمين الشعبية في تونس فی حل العديد من القضايا الجوهرية المتعلقة بفرص نجاحها في صناعة مستقبل ديمقراطي، وفي إجراء انتخابات حرة وفرض عقد اجتماعي جديد بين المواطنين والحكام، يضمن التأسيس لحكم القانون والمحاسبة الدورية للحاكم وتداول السلطة وأيضا الفصل بين السلط؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ماذا عن تداعيات ثورة الياسمين على البلدان العربية والتي لاتزال تعیش حروبا أهلیة، ولم الخروج عن المسار الثوري.

ثورة الياسمين في تونس

في البداية لا بد أن نبين أسباب نجاح الثورة التونسیة،  ومنها ان الجيش التونسي کان بعيداً عن السياسة الداخلية منذ الاستقلال، ومن ثم لم يكتسب الخبرة في الدفاع عن النظام ومواجهة الانتفاضات الشعبیة. ورفض الجيش التدخل لقمع الثورة التونسیة، فی حین عجزت الأجهزة الأمنیة عن القیام بذلك. الأمر الذي شكل عاملاؑ مهماً وحاسماً فی نجاح الثورة التونسية التي قد حققت أول أهدافها فتمت الإطاحة بالرٸیس “بن علی”. وعلى عكس تونس كانت الجيوش في دول اخرى مثل الجزائر ومصر وسوريا،  لها باع وخبرة فی الدفاع عن النظم السلطويه ومؤسسة الحكم في مواجهة انتفاضات شعبية و في ضبط البلاد أوقات الاضطرابات.
كان الربيع العربي حلماً، وكان الجميع يرقص فرحاً وهو يستمع للمحامی التونسي يصرخ “بن علي هرب بن علي هرب”. والطائرة تُقلع من تونس العاصمة بلا عودة إلی “جدة”.

اشتعلت الشرارة بعدها فی عاصمة المعز.. في المحروسة مصر . ولکن الأحداث أخذت منعطفا آخرا، انهیار جهاز الداخلیة، وتولي القوات المسلحة إدارة شؤون البلاد.. ومع هتافات کل میادین مصر ۔رایحین العصر إلی القصر ۔ أقلعت طاٸرة من مطار القاهرة إلى شرم الشيخ۔ تحمل الجنرال.. وکانت الطاٸرة المسافرة تستعد لعودة آنية، للوقوف علی خشبة مسرح (ما بات یعرف ب “مسرحیة “محاکمة القرن “).
یعلن السید عمر سلیمان رٸیس جهاز الإستخبارات السابق وناٸب الرٸیس عن خلو مقعد رٸیس الجمهوریة.. جماهير حاشدة تهتف.. وتعلن من عاصمة المعز لدين الله سقوط الديكتاتور ! كانت لحظة فارقة، نادرة في تاريخنا العربي، أن نرى تحرر الشعب التونسي من الاستبداد، ثم بعده الشعب المصري حيث يسقط حسني مبارك من على عرش الجمهورية المصرية.
وصل الربيع العربي الى الأقطار العربية تباعا وكانت له انعكاسات متباينة من دولة لأخرى؛ ابتداء من اتخاذ إصلاحات جادة في المغرب، الى انهيار الدولة ومقتل القذافي بليبيا وصولاً إلى المصالحة في اليمن.. . ولكن قطار الإصلاح هذا لم يكن لمصلحة الشعب السوري ولا الیمني ولا المصري. نكوص مطلق في البلدان التي وصلها قطار الربيع العربي، وأزمات في دول عربية ومنها الیمن التي رجعت الى العصور الأولى ناهيك عن “الجیوبولتیکا” التي لعبت أدوارا خطيرة في المنطقة العربية. من مصالح إقلیمیة وصراع طائفي مذهبي  ، وتدخل لكل من  السعودیة وإیران ، والإمارات ، لتصفیة حسابات علی حساب الشعوب،  ودخول في حرب أهلية، مازالت نارها مشتعلة حتى کتابة هذه السطور.
وفي الشام، مع ظهور غاز شرق البحر المتوسط، ستصبح سوريا ملعب (من یحارب من ) لتصفية حسابات دولية وصراع علی من یتحکم فی خطوط الإمداد. والدب الروسي يقبض خيوط حلم عنكبوتي لم یتحقق إبان “الحرب الباردة”..ليصبح  الوصول الی “المیاة الدافٸة” فی شرق المتوسط  وتحقق قاعدة بحریة علی ” البحر المتوسط “.. الفرصة جاءت علی (طبق من الحمص الشامي )؛ الإیرانیون والأتراك یلعبون أدوارا مهمة فی الملعب السوري، والکل بات له أطماع في المنطقة.. قوات مسلحة علی أرض الواقع فی مسرح الحرب؛ وتفاهُم بین الجانب الروسي والإیراني والترکي. ومنطقة إدلب فی الصراع القاٸم فی شمال شرق الفرات. وأمریکا متواجدة فی شرق الفرات للدعم اللوجستي وسرقة البترول ب” إعترافها  عقب دخول القوات الترکیة فی “تل الأبیض ” ومنطقه شرق الفرات. وتدخل لیبیا هی الأخرى في عملیة نهب حيث تم سرقة البنوك اليبية من الذهب والفضة التی کانت موجودة لتحقيق اتحاد إفریقي وعملة موحدة. سُرقت بمعرفة “حلف الناتو”.

هذا الصراع لم ینتهي بعد فی لیبیا، من تدخل أطراف إقلیمیة بین حکومة منقسمة فی طرابلس وبنغازي بین أطراف ولاعبیین دولیین فی الحرب الداٸرة

ومع توابع زلزال الربیع العربي الثاني يسقط الحُکم فی الجزاٸر والسودان ، لیشتعل ربیع آخر ضد المذهبیة والطاٸفیة والفساد والمحسوبیة ۔۔ وضد قوانیین من جاؤوا علی ظهر دبابة فی العراق وقانون “بریمر ” ومعاهدة “الطاٸف “لیتمرد جیل جدید من موالید الألفیة الجدیدة يحمل فکرا آخر ضد المذهبیة والطاٸفیة ۔ وتُسقط الحکومه الطاٸفیة فی بغداد ” وحکومة آل الحریري في لبنان. ولم يستطع کل من اليمن ، وسوریا ،ولیبیا  إكمال المسيرة، وفي مصر  سقطت أول تجربة للإسلام السیاسي في 30 يونية 2013 م. وتوقف المسار الديمقراطي ۔ بحکومة مٶقتة وإعلان حالة الأحکام العرفیة (الطوارٸ) بعد أن عاشت 30 عاماً من حکم مبارك لتعود مصر الی المربع ” صفر “. وفي البحرين، تم إخماد الإحتجاجات والمظاهرات فی المیادین من قوات سعودیة ، وإماراتیة ، خوفاً من ربیع فی الخلیج. وفي المقابل تمددت الحركات، الجهادية التكفيرية، وانتشرت الطائفية ولغة الكراهية في الدول العربية، وكان نتاج ذلك أكثر من 200 ألف قتيل، وأكثر من 4 ملايين من اللاجئين في حين لا يزال عشرات الآلاف في السجون.

و على النقيض من ذلك، كانت الأمة العربية بحاجة لأن تصاب بصدمة وعي لكي تنتفض على الفكر الاستبدادي الذي لعب بمقدرات الأمة وسلب الشعوب الحرية وأذاقها الظلم. تلك التضحيات والتاريخ الذي سيكتب عن الربيع العربي سيكون محفزاً للأجيال القادمة، وسيكون لها إرث نضالي تستمد منه قيم الحرية والعدالة، ويولّد لديها القدرة على الثورة مجدداً على الظلم. متى ستأتي اللحظة التاريخية المقبلة لثورة جديدة، لا أحد يمكنه تقدير ذلك، كما لم تستطع كل مراكز البحوث وأجهزة الاستخبارات التنبؤ بالربيع العربي.
الربيع العربي لم ينتهِ، فهو ليس فصلاً من فصول السنة. إنه تاريخ مشرق لهذه الأمة ويحق لنا أن نتباهى به، ففي كل بلد قصة، وفي كل قصة ألف عبرة في صناعة التغيير والتعلم من تجارب الحياة.

Exit mobile version