ثقافيةدوليةسياحة وسفر

معجزة الصين.. كيف حققت طفرة جعلتها تعيش في المستقبل؟!

عبد العالي الحضراوي

ني هاو“، تحية تعني “السلام” يرددها الشعب الصيني الذي دخل التقدم من أوسع أبوابه، بعد ما كان من أفقر شعوب العالم، ولم تكن أحلامه تتجاوز الظفر بوجبة عشاء. وكانت “جيفان لما” هي التحية المتداولة بالصين في سنوات الستينيات من القرن العشرين، وتعني هل تناولت طعاما أم لا؟ لأن الصينين كانوا يموتون جوعا .
استمر الفقر في الصين إلى سنوات السبعينيات من القرن الماضي، وخلال فترة زمنية قصيرة ،تتمثل في أربعة عقود، تحوّلت  الصين إلى ثاني قوة اقتصادية عالمية. أجل ، إنه الشعب الصيني، شعب يمثل% 18.59 من إجمالي سكان العالم.

بدأ الإصلاح والانفتاح الاقتصادي في الصين سنة 1979 بالاعتماد على الزراعة، حينها سمحت الحكومة الصينية للمواطنين باستغلال الأراضي مقابل مقدار معين من المحصول؛ ووزعت عليهم المواشي من أجل نظام اقتصادي عصري. وبالتدريج، ستصبح الصين بلدا صناعيا وتجاريا، وغزت منتوجاتها الأسواق العالمية.
فما هي أسرار نهضة الصين ؟ وكيف تحولت من بلد فقير إلى بلد يعلن عن نفسه كأقوى قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية في أفق سنة 2030 ؟

“صُنِع في الصين”:

استندت الدولة الصينية على ثروتها البشرية التي تتمثل في عدد سكانها، بهدف خلق ثورة صناعية وبناء اقتصاد قوي، بالإضافة إلى أن الحكومة شجعت اللامركزية الاقتصادية؛ ووفرت في كل جهة من جهات الصين تخصصا في مجال معين من أجل أن يشتغل كل مواطن في منطقته بمعية أهله، لتفادي اكتظاظ السٌكان في مدينة واحدة.

شعار العمال الصينيين هو الإخلاص في العمل بعض النظر عن الأجور الضعيفة التي يتقاضونها. هذا ما يفسر رخص السلع الصينية التي تغزو أغلب الأسواق العالمية، إذ نجد أغلب المنتوجات مكتوب عليها “صُنع في الصين”. ويتوفر العمال الصينيون على التغطية الاجتماعية؛ كما أن أجورهم تكفيهم، في الغالب، لأنهم يشتغلون في مناطقهم وينتجون غذاءهم بأيديهم؛ ولا يتحملون تكاليف الأكل في المطاعم ،وكراء شقق غالية الثمن .

الحرب التجارية والإلكترونية بين الصين وأمريكا:

تصاعدت مؤخرا الحرب التجارية بين القوتين الاقتصاديتين منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن شركة” غوغل “ستوقف تعاملها مع شركة” هواوي” الصينية، بهدف عرقلة أنشطة هذه الأخيرة في الأسواق العالمية. وفي خضم هذه الحرب التجارية بين أكبر دولتين اقتصاديتين في العالم، شرعت كل من الصين والولايات المتحدة في فرض وتطبيق رسوم جمركية إضافية على سلع إحداهما الأخرى.
أغلب مستعملي “الْوِيب” في الدول التابعة للغرب لا يمكنهم الاستغناء عن تطبيقات “غوغل”، أو ما يسمى بمجموعة GAFA (غوغل ،أبل ،فيسبوك و أمازون )؛ بينما يوجد في جمهورية الصين الشعبية بديل لكل هذه التطبيقات أو ما يسمى بعمالقة “الويب” الصينيةBATX، “بايدو” محرك البحث الرئيسي؛”علي بابا” الرائد في التجارة الإلكترونية،”تينسنت” التي تدير شبكات التواصل الاجتماعية والرسائل الفورية والعديد من الخدمات الأخرى؛ و”شاومي “، وهي شركة تعمل على صناعة الأجهزة الإلكترونية الذكية.
يُعَدّ تطبيق “ويشات” من بين التطبيقات الأكثر استعمالا بين الصينين، فهو بديل لكل شبكات التواصل الاجتماعية (وتساب، ميسنجر، سناب شات وأنستغرام) المحظورة من قبل السلطات الصينية. كما أن الصين تسعى إلى حظر كل التطبيقات الإلكترونية الأجنبية في مطلع سنة2022.

المواطنون الصينيون تحت المراقبة:

تنقيط سمعة المواطنين الصينيين عبر أجهزة المراقبة

جميع الشوارع والطرق السيارة مجهزة بكاميرات ذكية للمراقبة قادرة على تحديد هوية كل مواطن. فعلى سبيل المثال، يربو عدد سكان شنغهاي لوحدها على 24.24 مليون نسمة.
وبفضل نظام الائتمان الاجتماعي أو (crédit sesame) الذي وضعته الحكومة الصينية لمراقبة تصرفات المواطنين، ليس فقط لجعلهم أكثر تحضرا بل ليحظوا أيضا بسمعة جيدة.
يقوم هذا النظام بتجميع المعلومات الشخصية للمواطنين، ويحللها بنظام ذكي يحوِّل تلك السلوكات إلى نقاط، فإذا مر مواطن أثناء إشارة الضوء الأحمر، تلتقطه عدسات الكاميرات وتظهر صورته في الشاشات ليراها عموم المواطنين.
تستغل الحكومة الصينية بيانات المواطنين لمراقبتهم؛ وحددت مستويات التنقيط من “A إلى D “؛ مستوى” A “يدل على أن المواطن متحضر؛ و”D “تؤكد أن للمواطن سمعة سيئة. كل مواطن لديه 1000 نقطة ، لكن إذا لم يحترم القوانين المعمول بها ، أو ارتكب مخالفة معينة ، يتم الخصم من مجموع نقاطه تلقائيا. وفي حالة ظهور شخص ما ضمن اللائحة السوداء – التي يمكن لجميع الصينين الاضطلاع عليها عبر الأنترنيت – فسيتم حرمانه من مجموعة من الحقوق كالولوج للمناصب ذات المسؤولية؛ عدم التعامل معه تجاريا، حرمانه من السفر، عدم حصوله على قروض وأيضا على الخدمات المجانية…
هذا النظام يراقب كل شيء يحدث في الصين. ومن المرتقب تعميمه على جميع الصينين خلال سنة 2020. فإذا رمى شخص ما ورقة في الشارع، يتم خصم 50 نقطة من مجموع نقاطه؛ في المقابل، إذا قدم نفس الشخص مساعدة لمواطن أخر ترتفع نتيجة نقاطه ويمكن أن تتجاوز مجموع إجمالي النقط الذي حددته الحكومة في 1000 نقطة. ولمعرفة مجموع النقط، بذهب المواطن الصيني إلى البلدية لمعرفة نتيجة سمعته، ويقوم بطباعة شهادته بنفسه من الآلة الأتوماتيكية .

الصين ..بلد يعيش في المستقبل


تختلف الحياة في الصين تماما عن حياتنا اليومية. ففي مدينة شنغهاي، مثلا، الناس لا يحملون محفظة النقود معهم؛ كما أن استعمال البطائق البنكية بدأ في تراجع؛ بينما هناك تزايد عملية الدفع والأداء عبر الهاتف، ذلك أن تطبيق “ويتشات” ضروري لكل مواطن صيني، لأنه يسهل جميع العمليات التي يحتاجها في حياته اليومية، كالدردشة والتواصل مع الأصدقاء، طلب سيارة أجرة، تتبع الأحداث الجارية، أداء الفواتير، التسوق والشراء عبر الأنترنيت.
تعتبر خدمة الاستجابة السريعة أو” Quick Response Code”، عملية تسهل قراءة الرموز الموجودة في كل مكان بالصين. ويتم نسخ هذه الرموز بواسطة المسح الضوئي باستعمال كاميرا الهاتف من أجل الحصول على المعلومات حول علامة تجارية أو موقع إلكتروني لشركة ما ، أو الولوج لقائمة الطعام في المطاعم .
يمكن الأداء عن طريق رمز الاستجابة السريعة (QR Code) الخاص بالمتجر أو المطعم، حيث يتم الضغط على المبلغ الواجب دفعه، وبعدها يتم كتابة الرمز السري الخاص بالزبون. فضلا عن ذلك، هناك متاجر أخرى يمكن الأداء فيها عبر أخذ صورة “سيلفي” مع إدخال الرقم السري فقط!!!
خلال سفري لمدينة شنغهاي ،حظيت بفرصة الحضور لعرض تقديمي حول شبكة الجيل الخامس (G5) من طرف مركز شركة “هواوي” الصينية، التي تسعى إلى تغيير مفهوم الاتصالات في العالم بأسره. وقبل أن أتطرق لموضوع الجيل الخامس وفوائده، أقدّم نبذة عن تاريخ شبكات الأجيال بداية من شبكة الجيل الأول (G1)وصولا إلى الجيل الخامس (G5).

في سنة 1979 ،تم إطلاق شبكة الجيل الأول (G1) عن طريق إجراء الاتصالات الصوتية اللاسلكية في اليابان. وخلال سنة 1991، تم إصدار شبكة الجيل الثاني (G2) بفنلندا التي زادت من سرعة الرسائل المنقولة( المكتوبة والصوتية). وفي سنة 2001 ،أطلقت اليابان مرة أخرى شبكة الجيل الثالث (G3) التي مكّنت من نقل المعلومات وإجراء الاتصالات بسرعة تصل إلى 3.1 ميغابايت في الثانية.
في سنة 2009 ، نجحت كل من النرويج والسويد في إطلاق الجيل الرابع( G4) بسرعة تصل إلى 1000 ميغابايت في الثانية، وأحدثت هذه الخدمة نقلة نوعية في مجال الاتصالات،حيث مكنت من تصفح الفيديوهات بدقة عالية، ونقل البيانات بسرعة فائقة، وإجراء المكالمات بكل وضوح.
تعتبر شركة الهواتف “هواوي “شركة متفوقة في مجال خدمة الجيل الخامس (G5) في الصين وعبر العالم؛ وتشتغل الشركة على إطلاق هذه الخدمة التي ستصل سرعتها القصوى إلى 10 ميغابايت( أي أسرع من الجيل الرابع بحوالي 100 مرة).
ومن شأن خدمة الجيل الخامس أن تؤدي، بدون شك، إلى ثورة في صناعة أجهزة الاتصالات والتكنولوجيا في شتى المجالات ، منها تطوير الذكاء الاصطناعي، التطبيب عن بعد، نقل البيانات أو تخزينها عن طريق التخزين السحابي أو “Cloud ” والسياقة الذاتية للسيارات الذكية، وكل هذا نتيجة سرعة الاستجابة والتواصل بخدمة شبكة الجيل الخامس .

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button