الدولة القومية التي تحددها الجغرافيا.. ماذا بعد الجاٸحة؟

محمد سعد عبد اللطیف
مع تفاقم أزمة كورونا وعجز أغلب الدول عن السيطرة عليها ومواجهتها بفعالية، ظهر توجه ترجمته مقالات الكُتاب والمثقفین ومراکز الأبحاث والدراسات في الآونة الأخيرة، ينتقد الرأي القائل بأن الأزمة ستقوض العولمة وتعزز دور وأهمية الدولة القومية، و ظهر من يرى أن وباء كورونا يمكن أن يتسبب في استبدال الدولة بتنظيمات أخرى، وهناك آراء تُنَظِّرُ لما سيحل بالعالم بعد جاٸحة كورونا. فما الذي قد يحل محل الدولة القومية إن صحت هذه التنظيرات؟
إن أزمة فيروس كورونا تمثل لحظة قطيعة في تاريخ البشرية من استمرار سياسة العولمة وهي حلقة من حلقات التدمير المستمر للأرض، لكن، ما مصير الدولة الوطنية الذي يبدو مجهولا، وما مصير البشرية بعد كورونا؟ يطفو للسطح احتمال المزيد من سياسة العولمة، ولکن بشکل أكثر تماهيا مع الدولة الوطنية. إن الوضع الجاري يدعو إلى إعادة التفكير بأهمية البنى التحتیة الاجتماعية _ما تحت الدولة_ مثل العائلة والمجمعات التضامنية. ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يكون العالم بعد كورونا أصعب بكثير مما هو عليه قبل الوباء على الصعيد الاقتصادي، وأن الأسوأ قادم لامحالة، وأن العالم سوف یتعرض لأخطر من الأزمة الأقتصادیة التي تعرض لها فی عامي ۔1920 / 2008م . وستجبر نظام الرأسمالية العالم على إعادة التفكير ومراجعة مقوماتها.
کشف الوباء هشاشة العدید من دول العالم المُتقدمة، وأمام صاعقة الوباء، وقف العالم لحظة فارقة فی تاریخ الأمم، مذهولاً أمام هول الكارثة التي حلّت بالدول كافة، في ظل تفشي هذه الجائحة، وتساوي قدرة الدول الكبرى على المواجهة والاحتواء مع دول صغيرة وأخرى هشة ومفلسة. وعلى سبيل المثال، الاردن ولبنان، الذي فاق بقدرته على احتواء الوباء قدرة بعض الدول الأوروبية. والأکید أن الوباء قلب الموازین وکشف هشاشة دول مع أول اختبار فی ظل النظام العالمي الحالي، وإعلان نهایة العولمة والتکتلات الاقتصادیة مثل فشل الاتحاد الاوروبي وظهور الأنانیة في مدى تعاون دوله لحل الأزمة.. فهل سيجتمع الاتحاد بعد الجائحة ليحدد بفعالية استراتيجيات الصحة العامة والاستراتيجيات المالية وسبل إعادة النمو الاقتصادي والتنمية الجديدة؟ وهل سينجح الاتحاد الأوروبي بعد الازمة في لم الشمل، وهل نموذج الدولة القومية التقليدي المحدد فقط من خلال الجغرافيا انتهى في أوروبا ، ليحل محله شيء أكثر تركيزًا، وهو مجتمع من هويات ولغات وعرقیات مختلفة ملزمة بالمبادئ المشتركة. وإذا فشل الاتحاد الأوروبي في حل الازمة الراهنة فإن الأمل في مستقبل نموذجي عالمي سيتضاءل في مناطق أخرى حول العالم. والسیناریو الآخر هو انهيار إيطاليا، والتي تحتفظ بوحدة هشة ومجزأة تهددها بالفناء بفيروس كورونا، ما قد يقسمها إلى إمارات كما كانت خلال فترة حکم الکنیسة وبالتالي سينهار المثل الأعلى للدول القومية “إيطاليا ” وقد يحدث في باقى الدول وفقًا لـ “تأثير الدومينو”. ويجدر التنويه أن هذا السيناريو سيحدث فقط إذا فشل الاتحاد الأوروبي في إيجاد حلول تفيد الجمیع. وهناك تهديدات لها أبعاداً أخرى تتعلق بالاكتظاظ السكاني، والأمراض المعدية، والتحزبات القبلية والعشائرية، وأعتبر أنها تشكّل تهديداً للأمن العالمي، ويمكنها أن تدمر النسيج الاجتماعي لكوكب الأرض.
وعلى الرغم من كل هذه التطورات والأفكار، بقيت الدول ، وخصوصاً الكبرى منها ، تركّز على البعدين العسكري والاقتصادي، باعتبارهما يشكّلان قوة الدول الأساسية، وبقيت العوامل الأخرى في إطار ثانوي، إلى أن أتت أزمة كورونا، فكشفت هشاشة التفكير الأمني التقليدي للدول وقصر نظرها. وهکذا يمكن أن نشير إلى بعض المقاربات العالمية التي ساهمت في تفاقم أزمة كورونا وتأثيراتها في بعض الدول، نذكر منها: الولايات المتحدة الأمریکية.
في مقارنة بين استراتيجية الأمن القومي التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتلك التي وضعها قبله الرئيس باراك أوباما، نجد أن التهديدات جراء التغيرات المناخية والبيئة والصحة وحقوق الإنسان التي أوردها الأخير في استراتيجيته، غابت كلياً عن استراتيجية ترامب، وحلّ مكانها التنافس الاستراتيجي مع روسيا والصين، والتهديدات من كوريا الشمالية وإيران كأولوية. استمر الأوروبيون بشكل عام – بالتركيز على التهديد الاستراتيجي الروسي، وتنبّهوا إلى تحديات الهجرة غير الشرعية ومشاكل النمو الاقتصادي، وأغفلوا كلياً التهديد الصحي، بدليل أن معظم الدول الأوروبية قامت بخصخصة قطاعات الصحة والمواصلات وغيرها، معرّضة أمنها القومي لأخطار لم تكن في الحسبان. إن هذه الاتجاهات التكنولوجية والاقتصادية المترتبطة بفيروس كورونا هي القشة التي قصمت ظهر البعير، بما يضع بقاء الدول القومية موضع تساؤل، وإذا كانت ستختفي فما الذي سيحل محلها؟ وهنا طرح عدة احتمالات أو بدائل للدولة القومية أحدها نظام المدن الکبیرة والتي يمكن إعادة تصميمها بشكل كبير في المستقبل لتقوم بتقديم الخدمات الأساسية بطريقة أكثر مرونة وأكثر قدرة على التصدي للأوبئة المستقبلية والكوارث الطبيعية الأخرى، ويتم تحديد هذه المدن بدرجة أقل من خلال الهوية الوطنية وبدرجة أكبر من خلال ما تقدمه للأفراد الذين يعيشون داخلها. وتمكن التكنولوجيا المدن الضخمة من الاستجابة بشكل أسرع من الدولة للمواطنين. ويتوقع ” الباحث والکاتب براي ” أن هذه المدن هي التي ستقوم بصياغة الاتفاقيات التجارية وترتيبات الصحة العامة واتفاقيات تغير المناخ مع المدن الأخرى حول العالم عبر العلاقات الدبلوماسية.
وهناك احتمال أخر هو مجموعات عبر
القومیة، المنظمة على أساس الأيديولوجية أو الهوية المؤسسية لتحل محل الدولة القومية التي تحددها الجغرافيا. ففي عالم ما بعد كورونا ستكون هناك حاجة للتأكد من أن الأفراد غير معديين ولا يشكلون خطرًا على الآخرين وغير معرضين للعدوى أيضًا، وهو ما يحفز إنشاء حلول تكنولوجية مرتبطة بجواز سفر الشخص أو بعمله أو بعض الآليات العالمية الأخرى المشابهة والتي قد تمكن شخصًا من أن يصبح مقيمًا إلكترونيًا في إستونيا دون الإقامة الفعلية فيها. فيرى الکاتب ” براي “أن تحديات ضمان أن الأفراد آمنون في السفر والسلع آمنة لعبور الحدود قد تجهد نموذج الدولة القومية بما يؤدي إلی انهيارها واستبدالها بشئ آخر قائم بدرجة أكبر. لابد للدول اليوم، وبعد أن تنجلي أزمة كورونا، من أن تعيد تقييم سياساتها الصحية، ووضع الأمن الصحي في سلم الأولويات، وبشكل موازٍ للأمن العسكري.


