الجغرافیا السیاسیة بعد الجاٸحة ومأزق النظام العالمي الیوم؟

محمد سعد عبد اللطیف*
لحظات مفصلیة بعد کل الأزمات الکبري التی یتعرض لها العالم من الحروب والأوبٸة والأزمات الاقتصادیة، فقد اعتاد العالم علی ذلك، كل ذلك ينبئ بنظام عالمي جدید ومرحلة مفصلیة، من فرض تغییر فی خریطة الجغرافیه السیاسیة، وظهور خریطة سیاسیة واقتصادیة واجتماعیة وثقافیة. ویرجع ذلك الی تأثیر طبیعة التغیرات الجذریة وحجم الأزمة علی النظام العالمي.
ففی أعقاب نهایة الحرب العالمیة الأولى والثانیة، اضطر العالم الی الجلوس إلی طاولة المفاوضات والبحث عن حلول للخروج من الازمة. فبعد إنهیار الإمبراطوریة العثمانیة، ظهرت دول علی الخریطة السیاسیة وظهرت أقلیات عرقیة ومذهبیة داخل حدود دول أخرى. وبعد الحرب العالمیة الثانیة، ظهر نظام جدید بعد زوال الامبراطوریة البریطانیه والفرنسیة التی کانت الشمس لا تغیب عن مستعمراتهما فی الشرق والغرب، وظهور قوى جدیدة بقیادة الولایات المتحدة الأمریکیة، والإتحاد السوفیتي وتقسیم أوروبا ودخول العالم فی نظام الحرب الباردة من صراعات. فهل في نهایة (جاٸحة کوفید 19 ) سیکون للعالم نظام مراکز قوى جدیدة ونظام یتشکل بین الصین وأمریکا؟ هل العالم یعیش لحظات فارقة من أزمة فیروس کورونا لن تقل بتأثیرها عن الأزمات الإقتصادیة التی حدثت عام 1930 م؟ او وباء فیروس انفلونزا الاسبانیة عام 1918 م؟ أو الحروب العالمیة السابقة؟ وإن اختلفت التفاصیل بعض الشیء مع إنتشار الفیروس بصورة أسرع مما
یتوقع وتخطیه الحدود الجغرافیة وأصبحت التداعيات أكثر تعقيداً وخطورة من حجم التوقعات. ولا سبيل أمام العالم لمكافحة الفيروس، إلا تنسيقا دوليا عالي المستوى، خصوصاً بعد أن تجاوزت الأزمة حدود الدولة الواحدة، لتشمل العالم بأسره دون استثناء. وهو ما وضع النظام الدولي برمته على المحك. وهو الإختبار الأول للنظام الأحادي ونظام العولمة والقریة الصغیرة التی اصبحت حبیسة داخل حواٸط جدران المنازال. إن فشل النظام العالمي وفشل التکتلات الاقتصادیة فی أوروبا ونجاحها فی دول مثل الصین وسنغافوره والهند، یشکل مفترق طرق فی الخریطة السیاسیة بعد الجاٸحة. لقد ظهر نظام داخلي ومحلي داخل دول صغیره تمكنت من الاعتماد علی مواردها المحدودة لوقف الفیروس، ونجحت في ذلكدون مساعدات خارجية. وهذا یشکل نقطة ارتکاز لدول تستطیع أن تخرج عن المنظومة الأحادیة والارتباط بها فی نظامها السیاسي والاقتصادي. لقد فشل الاتحاد الأوروبي فی مساعدة ایطالیا وإسبانیا بدایة انتشار الوباء، وظهرت الأنانیة بين الدول الغربية، وتم إغلاق الحدود الجغرافیة، وشلت حرکة الطیران وقيدت حركة التنقل بالسیارات. ومع ذلك شهد العالم ارتفاع عدد المصابين، والضغط المتزايد على النظام الصحي. وكان افتقار مراكز البحث والمختبرات للحلول الناجعة دليلاً على حجم المأزق الذي تعيشه تلك الدول. ووجدت مظاهر العولمة نفسها، على حين غرة، في مواجهة حقيقية مع نفسها. واصطدمت مع مفاهيم وأدوات اللاحدود بشكل مباشر مع الوباء. فأصبحت القرية الكونية مهددة بوباء قادر على الانتقال من أقصاها إلى أقصاها في غضون ساعات، مستغلاً السيارات والطائرات والبواخر وحتى الهواء. بات العالم یعیش مأزق نظام العولمة اليوم، ورمزيته لم يقف عند حد مواجهته لذاته، من خلال مواجهته لأزمة بحجم كورونا فحسب، بل إن المأزق قد تجاوز ذلك بأبعاد كثيرة، فتحولت ذات الأدوات المجسدة لنظام العولمة، إلى عوائق تحول دون مكافحة الفيروس. وأصبحت مفاهيم التبادل التجاري الحر وسهولة التنقل وسرعته، بحد ذاتها عوامل مساعدة على انتشار المرض لا حصره. الأمر الذي قلص خيارات الكثير من الدول في مكافحة المرض، بأن جعل الحل بحتمية تعطيل أبرز أدوات وركائز الربط والتدفق والاختلاط وحرية التجارة. وانتقل الحال على إثر ذلك من مرحلة اكتمال الحلم بعالم منفتح على بعضه البعض، يملك كل أدوات إذابة الحدود، وإلغاء مركزية الدول، إلى الارتداد نحو واقعية نقيضه، تؤكد بتفاصيلها على الضرورة المركزية ومحلية السلطة. وما بين ليلة وضحاها، عاد العالم إلى العمل وفقاً لخارطة الأقطار المتعددة، والكيانات المنفصلة عن بعضها البعض، بحدود سياسية وجغرافية لا بد من إغلاقها، وإيقاف الحركة فيما بينها. هكذا لجأت كل دولة لتقنيات التجزئة، كإجراءات احترازية من أجل السيطرة على هذا الوباء والتخفيف من آثاره بعيداً عن الدول الأخرى.
فماذا بعد الجائحة، هل سيجلس العالم علی طاولة مفاوضات لیشکل عالما جدیدا ونظاما جدیدا وخریطة سیاسیة جدیدة؟.
*کاتب مصري وباحث فی الجغرافیا السیاسیة


