مقالات رأيوطنية

من صانع المجد إلى هدف للإهانة: الاعتداء على وليد الركراكي يكشف الوجه القبيح للغضب الجماهيري

هناء مهدي/ نور24

لا شك أن حادثة تعرّض مدرب المنتخب الوطني وليد الركراكي لمضايقات داخل أحد مطاعم الرباط، قبل أسابيع، لم تكن مجرد واقعة عابرة، بل كشفت حجم الاحتقان الذي بات يطغى على المشهد الرياضي، وحدود النقد حين ينزلق من التحليل إلى الإساءة الشخصية.

ففي لحظة كان يُفترض أن تبقى خاصة وبعيدة عن ضجيج الملاعب، وجد المدرب نفسه في مواجهة عبارات جارحة ومواقف غير لائقة، قابلها بهدوء لافت واتزان يعكسان شخصية تعرف كيف تتحمّل الضغط دون أن تفقد احترامها لنفسها أو للآخرين. مشهد صادم، لا لكونه انتقادًا، بل لأنه تجاوز أبسط قواعد الاحترام الإنساني.

هذه الواقعة جاءت في سياق موجة من الانتقادات التي أعقبت بعض النتائج غير المرضية للمنتخب الوطني، غير أن الخلط بين المحاسبة الرياضية والحياة الخاصة يطرح إشكالًا أخلاقيًا عميقًا. فالنقد حق مشروع، بل ضرورة لتصحيح المسار، لكن له فضاؤه وأدواته، أما تحويل الأماكن العامة إلى ساحات لتفريغ الغضب فلا يخدم الرياضة ولا يرقى بثقافتها.

والمفارقة أن الرجل الذي يُستهدف اليوم هو نفسه من صنع واحدة من أزهى لحظات الكرة المغربية، حين قاد “أسود الأطلس” إلى إنجاز تاريخي في كأس العالم 2022، بوصول غير مسبوق إلى نصف النهائي، مثبتًا أن الحلم المغربي ممكن حين يقترن الطموح بالعمل والانضباط. ذلك النجاح لم يكن ضربة حظ، بل ثمرة رؤية تكتيكية واضحة، وروح جماعية أعاد بها المنتخب إلى واجهة الكرة العالمية.

كما أن مسار الركراكي التدريبي، سواء مع الأندية أو المنتخب، أظهر مدربًا يعرف كيف يبني الفرق ويُدير اللحظات الصعبة، ويستخرج أفضل ما لدى لاعبيه. صحيح أن كرة القدم لا تخلو من فترات تراجع، وأن النتائج ليست دائمًا في مستوى التطلعات، لكن الحكم العادل يكون على المسار ككل، لا على تعثرات ظرفية.

إن ما يحتاجه المشهد الرياضي اليوم ليس مزيدًا من الصراخ أو التجريح، بل نقدًا رصينًا يُشخّص الخلل ويقترح الحلول، دون المساس بكرامة الأشخاص. فالدول التي تتقدم كرويًا هي التي تحوّل الخسارة إلى درس، لا إلى مناسبة للتشهير.

حادثة المطعم، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل دلالة عميقة: إما أن نرسّخ ثقافة رياضية ناضجة تقوم على الاحترام والمحاسبة الواعية، أو نواصل الانزلاق نحو فوضى انفعالية لا تبني فريقًا ولا تصنع إنجازًا.

وليد الركراكي ليس فوق النقد، لكنه أيضًا ليس هدفًا للإهانة. والإنصاف يفرض أن نُقيّم الرجل بما قدّمه من نجاحات قبل أن نُحمّله مسؤولية كل تعثر، وأن نفصل بين الأداء المهني والكرامة الإنسانية.

فالرياضة في جوهرها مشروع جماعي، تنهض بالدعم الواعي، وتصحّح بالنقد البناء، وتنهار حين تُدار بالانفعال. وإذا أردنا لمستقبل الكرة المغربية أن يكون أكثر إشراقًا، فعلينا أن ننتقد بعقل، ونساند بحكمة، ونحفظ للفاعلين احترامهم، لأن النجاح لا يولد من الهدم، بل من الثقة والعمل المشترك.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button