أصيلة حين امتحنها الألم فنجحت حيث فشل الضجيج

هناء مهدي
في ساعة كان يمكن للمدن أن تنغلق على نفسها، اختارت أصيلة أن تنفتح على الإنسان.
وفي زمن ارتبك فيه الكلام، تكلمت أصيلة بالفعل.
لم تُصدر بيانات، ولم تنتظر عدسات، بل فعلت ما تفعله المدن الكبيرة حين تصغر الدنيا في عيون أهلها.
فتحت الأبواب قبل أن تُفتح النقاشات، ومدت القلوب قبل أن تمتد الأيدي.
حين اضطرت أُسر من القصر الكبير على مغادرة بيوتها، لم تستقبلهم أصيلة كضيوف عابرين، بل كأهل عادوا إلى بيتهم الكبير.
شقق مفروشة بلا مقابل،
غرف دافئة في بيوت بسيطة،
طعام يعد بحب،
أغطية توزع بصمت،
وسيارات تتحول إلى جسور نجاة.
وكان يمكن للأمر أن يقف عند هذا الحد،
لكن أصيلة ذهبت أبعد.
حمت الجسد من البرد،
وحمت الروح من الانكسار.
أساتذة تطوعوا لدروس دعم مجانية،
جلسوا مع الأطفال كأنهم يجلسون مع أبنائهم،
قالوا لهم بلا كلمات كثيرة
إن العلم لا يغرق،
وإن المستقبل لا تهزمه الأمطار.
وهنا يظهر الفرق بين من يتضامن ليُرى،
ومن يتضامن لأنه لا يستطيع إلا أن يكون إنسانا.
وسط هذا النور، حاول البعض تشويه الصورة،
وانتقدوا، وشككوا،
وكأن الخير يُزعج من تعودوا على القبح.
لكن الحقيقة كانت أقوى من كل كلام،
فالأفعال لا تجادل.
أصيلة لم تكتف بالعطاء،
بل وقفت ضد الاستغلال،
ورفضت أن تتحول معاناة الناس إلى تجارة،
ورفعت صوتها في وجه من حاولوا بيع الأزمة بثمن أغلى من الكرامة.
ومع الجهود الرسمية المشكورة في الميدان،
صنع التلاحم الشعبي المعجزة الصغيرة
التي تعني الكثير.
أصيلة في هذه المحنة لم تكن مدينة على الساحل،
بل كانت ضميرا على الوطن.
أثبتت أن المدن لا تعرف بجدرانها البيضاء،
ولا بمواسمها السياحية،
بل تُعرف حين يسقط الناس في الشدة
هل تمد لهم يدها أم تدير ظهرها.
إلى من انتقد أهل أصيلة،
انظروا جيدا،
فهكذا يصنع الشرف المدني،
وهكذا تُكتب أجمل صفحات التضامن.
تحية لكل باب فُتح،
تحية لكل قلب احتضن،
تحية لكل أستاذ علّم،
تحية لكل يد حملت الأغطية،
تحية لمدينة اختارت الإنسان أولا.
اللهم اجعل هذا الوطن عظيما بقلوب أهله،
واجعل من أصيلة شاهدا على أن الخير ما زال أقوى من الضجيج.



