
نور24 — بورتريه
قد يحتفظ الطفل من سنوات المدرسة بكلمة أكثر مما يحتفظ بدرس؛ كلمة تشجيع سمعها حين تردّد، أو سؤال عن أمنيته الصغيرة، أو لحظة شعر فيها أن أستاذه ينتبه إليه ويصغي له. ومن هذه التفاصيل تنسج تجربة الأستاذ ياسين سرموح، المعروف بـ«معلم السعادة»، جانباً من حكايتها في بادية تاونات.
في مجموعة مدارس أولاد سليمان، فرعية امزاب بجماعة الولجة، يقدّم هذا الأستاذ صورة للمدرسة تتسع للمعرفة والفرح معاً. فإلى جانب الحروف والأرقام، يحضر الاهتمام بالطفل، وبما يحمله إلى القسم من رغبات ومخاوف وحاجة إلى التشجيع.

وتكشف المقاطع التي يشاركها من يومياته عن علاقة قريبة مع تلاميذه؛ حديث هادئ، وإنصات، ومبادرات تمنح الحياة المدرسية لحظات من البهجة. لا يحتاج الطفل دائماً إلى شيء كبير كي يفرح. أحياناً يكفي أن يسأله شخص يثق به عمّا يحب، ثم يتذكّر جوابه.
أمنيات صغيرة تجد من يصغي إليها
في مشاهد الهدايا والمفاجآت، تبدو قيمة العطاء أوسع من الشيء المقدَّم. فالطفل الذي يجد من يهتم بأمنيته يتلقى، إلى جانب الهدية، إحساساً بأنه يستحق العناية، وأن صوته مسموع.
وتُظهر إحدى الصور الأستاذ إلى جانب طفلة أُخفي وجهها، يتعامل مع حقيبة وردية، بينما تزين الزينة الملونة سبورة القسم. وفي صورة أخرى، يفتح صندوقاً يضم هدايا. تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنها تمنح المتابع مدخلاً إلى فهم العلاقة التي يبنيها مع الصغار: معرفة اهتماماتهم، ومشاركتهم فرحتهم، وجعل المدرسة مكاناً يحمل ذكريات طيبة.
ويستمد هذا الحضور معناه من استمراره في اليومي؛ من طريقة الكلام، ومن الصبر على الإصغاء، ومن التشجيع الذي يحتاجه الطفل وهو يحاول ويتعثر ثم يعاود المحاولة.
حين يصبح الأستاذ قريباً من عالم الطفل

للطفل حياة تمتد خارج مقعده الدراسي. وقد يصل إلى المدرسة حاملاً تعب الطريق، أو انشغالاً عائلياً، أو خجلاً يعجز عن تفسيره. والاقتراب من هذا العالم يتيح للمدرس أن يرى وراء الصمت حاجة إلى الطمأنينة، ووراء التردد فرصة للتشجيع.
في تجربة سرموح، كما تعرضها اليوميات والتغطيات المنشورة عنه، يحضر هذا الاهتمام إلى جانب العمل التعليمي. فالعلاقة مع التلميذ تشمل مساعدته على التعبير، ومنحه مساحة للمشاركة، وربط حضوره في المدرسة بالتعلم والتفاعل والفرح.
ومن هنا تأتي أهمية هذه التجربة في الوسط القروي: أن يشعر الطفل بأن المدرسة تستقبله، وأن أستاذه يعرفه ويهتم باستمراره في الدراسة. وهو معنى يلتقي مع المبادرات التي نُقلت عن سرموح لتحفيز التلاميذ على مواصلة مسارهم الدراسي.
عطاء يصل إلى محيط المدرسة
وبحسب التغطيات الصحفية المنشورة، يمتد اهتمام الأستاذ إلى أهالي الدواوير، من خلال مساهمات اجتماعية لفائدة بعض المحتاجين. ويكشف هذا الجانب عن صلة بين عمله داخل القسم وتجربته في العمل الجمعوي والمساعدة الاجتماعية.
كما يجمع مساره بين التعليم والمسرح والتنشيط والسيكودراما؛ وهي مجالات تمنح التواصل والتعبير مكانة أساسية، وتساعد على فهم اهتمامه بإشراك الطفل في الحياة المدرسية.
وقد لفتت تجربته انتباه القناة الثانية، التي خصصت له فقرة بعنوان «معلم السعادة» ضمن برنامج «ناس لخير»، سلطت الضوء على يومياته وعلاقته بالتلاميذ وأهالي المنطقة.
أثر يستحق أن يُروى

لا تختصر المقاطع المصوّرة وحدها تجربة تربوية كاملة، ولا تكفي لقياس نتائجها الدراسية. لكنها تتيح رؤية جانب إنساني يستحق التقدير: أستاذ يبذل جهداً ليمنح الأطفال أسباباً يحبون بها مدرستهم.
وتذكّرنا حكاية ياسين سرموح بأن للمعلم أثراً يتشكل في تفاصيل قد تبدو عابرة للكبار، وتبقى طويلاً في ذاكرة الصغار. فالطفل قد ينسى تاريخ الهدية، لكنه يتذكر من فرح معه؛ وقد تغيب عنه كلمات التشجيع، ويبقى فيه ما منحته من شجاعة.
في بادية تاونات، يكتب «معلم السعادة» هذا الجانب من رسالته، درساً بعد درس، ومبادرة بعد أخرى: أن يجد الطفل في المدرسة معرفة تنفعه، واهتماماً يطمئنه، وفرحاً يدعوه إلى العودة.



