
محمد سعد عبد اللطیف
استمرت المعرکة بین الولایات المتحدة والصین حول الهيمنة الاقتصادية، لكن بعد أن عصفت جاٸحة فیروس کورونا بالولايات المتحدة، وخروج الصين سالمة، طرح المشهد الجديد العديد من التساؤلات حول بوادر تغییر بات يلوح في الافق، حول الانتقال من عولمة تديرها الولايات المتحدة، إلى عولمة تديرها الصين؛ وباتت هذا السيناريو مرجحا في ظل فقدان الشعب الأميركي الثقة بالعولمة والتجارة الدولية، والذي يرى الآن أن اتفاقيات التجارة الحرة أصبحت سیٸة وفاشلة خصوصا في ظل حكم الرئيس الأميركي” دونالد ترامب”.

في المقابل، لم يفقد الصينيون ثقتهم بالعولمة والتجارة الدولية، نظرا لعدة أسباب بعضها يعود لأسباب تاريخية، حيث يدرك القادة الصينيون جيدًا ، أن قرن الذل الذي عاشته الصين من عام 1842م إلى عام 1949 م، كان نتيجة لتهاونها والجهود غير المجدية التي بذلها قادتها لقطعها عن العالم.
وقد أثمر انفتاح الصين على العالم خلال العقود القليلة الماضية انتعاشا اقتصاديا ، وعزز ثقة الشعب الصيني بثقافته، فبات الصينيون يؤمنون بقدرتهم على المنافسة في أي مكان من العالم.
لقد دخل المنتج الصیني کل منزل. إن تداعيات كورونا کشفت هشاشة اقتصادیات دول کثیرة وتراجع النشاط الاقتصادي، وزيادة التوتر بين البلدان، وزعزعة الاستقرار في بعض الدول التی کانت حلیفة للولایات المتحدة . وظهرت عیوب تکثلات اقتصادیه وسیاسیة وتفشت الأنانیة داخل دول الاتحاد الأوربي. وبرزت الولایات المتحدة كحليف لا یستطیع فعل شيء للاخرین و حتى لنفسة. فی نفس الوقت کانت الصین حاضرة فی اوروبا رغم أزمتها. ومدت ید المساعدة للشعوب الأوروبیة، فکان تصریح الرٸیس الصربي، ضربة قاسیة للاتحاد الاوروبي وللحليف الأمریکي. وكانت جائحة كورونا القشة التي تقصم ظهر بعير العولمة الاقتصادية.
قبل ظهور الوباء، کان القلق الأميركي من تنامي القوة الاقتصادية والعسكرية للصين والذي أدى إلى إجماع سياسي على فصل الصين عن التكنولوجيا العالية التي تمتلكها “الولايات المتحدة ” ومحاولة الضغط، وحمل حلفاء أميركا على أن يحذو حذوها. لقد أجبر تفشي وباء فیروس کورونا “كوفيد-19” الحكومات والشركات والمجتمعات أيضا على تعزيز قدرتها على التعامل مع فترات طويلة من العزلة الاقتصادية الذاتية، ومن المستبعد في ظل كل ما سبق أن يعود العالم إلى فكرة العولمة ذات المنفعة المتبادلة التي طبعت أوائل القرن الحادي والعشرين. إن جائحة كورونا ستسهم في تقوية الدول وتعزيز الوطنية بين افرادها، وستتبنى الحكومات في مختلف أنحاء العالم إجراءات طارئة لإدارة الأزمة المتمثلة في تفشي الوباء. إن جائحة كورونا، شأنها شأن أحداث مفصلية في التاريخ الحدیث كسقوط “جدار برلين “أو انهيار الاتحاد السوفیتي او ” بنك ليمان براذرز، ” حدث عالمي مدمر، يصعب تخيل عواقبه على المدى البعيد.
ومع انتشار الوباء تحولت السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق، والدلیل على ذلك استجابة دول شرقية لمواجهة المرض مثل ” كوريا الجنوبية ” وسنغافورة “بشكل أفضل من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، كما أن تعاطي الصين مع الوباء كان جيدا بالرغم من تعثرها في البداية عند اكتشاف الفيروس. وكانت الاستجابة البطيئة والمتخبطة في أوروبا وأميركا من الأشياء التي شوهت الهالة التي طالما أحاطت بالتعامل الغربي.
إن الوباء الحالي لن يسهم في تغيير السياسة العالمية السائدة التي يطبعها الصراع، والبعض دلل على ذلك بأن الأوبئة التي مرت على البشرية من قبل لم تضع حدا للتنافس بين القوى العظمى ولم تكن نقطة بداية لحقبة جديدة من التعاون العالمي. وذکرت بعض الدراسات فی جامعات فی امریکا وسنغافوره والمانیا أن المعركة ضد الوباء الحالي سينقشع غبارها عن عالم أقل انفتاحا وأقل ازدهارا وحرية نظرا لتضافر عوامل عدة، من ضمنها الفيروس القاتل والتخطيط غير المناسب، والقيادات التي تفتقر للكفاءة، مما يضع البشرية على مسار مثير للقلق.
ولکن من المٶکد أن العالم ما قبل کورونا یختلف كلية عن عالم ما بعد کورونا ،۔سيشهد العالم بعد الجائحة، نهاية النفوذ الأميركي، وصعود الصين إلى منصة الزعامة العالمية.



