كورونا.. عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم

يونس رمزي
ما يعيشه العالم اليوم من ضياع و تششت في الرؤى والقرارت، جراء فيروس مجهري لا يستطيع المرء رؤيته بالعين المجردة مهما فعل، فرغم ما وصلت إليه الإنسانية من تقدم وتطور، في جميع المجالات العلمية منها والصناعية والاقتصادية والثقافية والفنية.. حتى اعتقدنا أننا أمام اكتفاء ذاتي من العلوم والتكنولوجيا وصناعات فضائية وعسكرية، وأدوية وآلات طبية وروبوهات؛ أصبحت في بعض الأحيان تتفوق على دور الإنسان في الإنتاج.. إلا أن العقل البشري اليوم يقف عاجزا عن إنتاج دواء أو لقاح ينقذ به أرواح البشر التي تتساقط بشكل يومي، حتى أصبحت مجرد أرقام تتسابق وسائل الإعلام للظفر بها كسبق صحفي، حتى تنقذ اقتصادها الذي يعيش أحلك أيامه على مر التاريخ…
لكن في المقابل، يمكن القول أن هذا الوباء، جاء ليعطي للإنسانية فرصة للتأمل، وإعادة النظر في عدد كبير من الأمور، وإعادة ترتيب الأولويات حسب أهميتها.
و إذا أخذنا المغرب كنموذج، والذي أخذ هو الآخر نصيبه من هذا الوباء اللعين، فلا مجال للشك والقول أن الدولة قامت بما كان يجب القيام به على و جه من الدقة و الحرفية، حتى أصبحت بلادنا مثلاً يحتذى به، ونموذجا في تدبير هذه الجائحة؛ وأصبحنا حديث العدو قبل الصديق، فاحتل اسم المغرب أغلب افتتاحيات الصحف العالمية، ووسائل الإعلام الأخرى. وهذا بطبيعة الحال راجع إلى انخراط جميع مكونات المجتمع المغربي، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده، حيث اتخذت الإجراءات في وقت قياسي ومناسب للغاية، كان الهدف الوحيد هو حماية صحة المواطن، ولو على حساب اقتصاد الدولة مهما كان الثمن، وسواء اتفقنا أو اختلفنا فإن هذه الإجراءات كان لها دور كبير ومحوري في تجنب البلاد كارثة صحية، كانت ستكون لها عواقب خطيرة جدا. و نتيجتها أيضا متمثلة في عدد المصابين بهذا الوباء الذي أصبح على أبواب الثلاثة آلاف مصاب، والذي يبقى رقما في حد ذاته..
وهنا نطرح السؤال ألم يكن بالإمكان تجنب هذه الوباء اللعين؟ وهذا الكم من المصابين وعدد الموتى؟ ألم يكن ممكنا تجنب تمديد مدة الحجر الصحي لشهر إضافي؟..
مهما يكن، فإنه لا يجب أن نفقد الأمل، يلزم أن نكون على يقين بأن هذه المرحلة زائلة لا محالة، وسيكون لها و ما عليها في المستقبل القريب و البعيد، وما نتمناه كباقي فئة المجمتع، أن نستخلص من هذه الجائحة دروسا تعود بالنفع على بلادنا، و تتم إعادة النظر في عدد كبير من الأمور و التوجهات سواء كانت سياسية أو اقتصادية أوعلمية أوفكرية أوثقافية أوصناعية أواجتماعية..
فمثلا : هناك بعض القطاعات التي قيل أنها تمثل عبئا على الدولة، و هذا الكلام منسوب إلى أناس كان المفترض فيهم الدفاع عن هذه القطاعات، لأنها اليوم أثبتت أنها هي مقياس تقدم أو تخلف أي مجتمع، واتضح كذلك أنها كانت تعاني من حسابات سياسية ضيقة وستظل كذلك، ونخص بالذكر هنا قطاعي الصحة و التعليم دون أن ننسى باقي القطاعات الحيوية الأخرى.
فبالنسبة لقطاع الصحة الذي أشتغل فيه لدي بدون شك كباقي الأصدقاء مجموعة من المعطيات والملاحظات على هذا القطاع الحيوي. فهذا الأخير وكما يعلم الصغير قبل الكبير، عاش سنوات عجاف، بل اعتبر كقطاع ثانوي لا دور له في المجتمع، وهذا ظاهر من خلال الميزانية السنوية التي تخصص له وكذا عدد الموظفين في هذا القطاع بالمقارنة مع النسبة السكانية، وما تحث عليه منظمة الصحة العالمية أي كل طبيب و ممرض لنسمة معينة، هذا المعدل يعتبر المغرب بعيدا جدا عنه.
و بالتالي، لكي يصبح هذا القطاع عند حسن ظن وتطلع المواطنين، يجب على الدولة أن تأخذ العبرة من هذه الجائحة و تولي اهتماما كبيراً له، فزيادة عدد الأطباء و الممرضين و باقي الموظفين أصبحت اليوم ضرورة ملحة، وإعادة هيكلة المستشفيات التي تعاني بنيتها التحتية مشاكل عدة و كذلك إعادة النظر في الميزانية السنوية لقطاع الصحة، بالإضافة إلى تحفيز العاملين به بمختلف فئاتهم.
-أما بالنسبة للتعليم الذي أثبت اليوم و بدون أن يدع مجالا للشك، أن دوره لا يناقش داخل أي مجتمع و أن بعض التصرفات التي صدرت من بعض الأشخاص والتي لقت إستهجان بعض المواطنين الذين اعتبروها في غير محلها، فما هي إلا نتاج لمدرسة و تعليم عانى الكثير من التهميش، ولذا وجب اليوم، الوقوف بجدية على هذا القطاع و إعادة إصلاحه على جميع المستويات و إعطاء المدرسة العمومية هيبتها وللأساتذة حقوقهم، ووجب مواكبتهم في عملهم وتحفيزهم على الاشتغال في ظروف ملائمة، لأن الاستثمار في المدرسة و التعليم هو استثمار في العنصر البشري الذي لا يقدر بثمن.
وبالنسبة لباقي المجالات، فكلها يجب أن تنال حظها من التغيير و إعادة النظر، و أن يتم ترتيبها حسب تأثيرها المباشر على المواطن.
و في الأخير أتقدم إلى كل أصدقائي العاملين بالقطاع الصحي بالشكر الجزيل لما يقدمونه من تضحيات ونكران لاذات لمواجهة هذا الوباء اللعين الذي يعيش مراحله الأخيرة بيننا بإذن الله دون أن ننسى شكر باقي المتدخلين الموجودين في ساحة المعركة.



