مجتمعية

“كورونا” و”سعار الأسعار” في رمضان يضاعفان مسؤولية الدولة في حماية المستهلك

بقلم: عبد الإله الوزاني التهامي
كورونا الويل الأسود المسلط على رقاب العالمين فقيرهم و غنيهم، يصادف في بلدنا هذا العام شهرا عظيما، عادة يزداد فيه سعار المحتكرين ويزداد فيه أيضا لهف فئة واسعة من الناس على كل المعروضات من البضائع الأكثر استهلاكا في شهر المطلوب فيه أن تغمر النفوس الطمأنينة والبطون القناعة والعقول النباهة والضمائر اليقظة.
كل شيئ مقلوب في المغرب رأسا على عقب، فمع حلول شهر رمضان الأبرك، ترتفع أثمنة جميع المواد الغذائية الأكثر استهلاكا، و يتم أيضا التهافت عليها وكأنها لم توجد من قبل و لن توجد بعد الشهر الفضيل. أكيد أن هناك أسبابا عدة لانتشار واستمرار هذه الظاهرة، منها الاحتكار من طرف التجار و إشاعة ثقافة الاستهلاك غير المعقلن وغيرها.
شريحة واسعة من المواطنين مستاءة من شعارات الدولة القاضية بأن تراقب الأسعار بواسطة لجنة مختصة ، بحيث لم يروا تفعيلا لهذه المراقبة في الأعوام الخالية بتنظيم السوق و الحد من الأسعار التي ترتفع على هوى التجار، من هنا نستحضر الدور البارز لمجلس المنافسة الذي لم تر أعماله النور منذ سنوات، ليبقى المتضرر الأوحد و المباشر هو المواطن المغربي الذي يكدح إن وجد عملا طوال النهار ليفرغ جيبه مساء نفس اليوم، كدليل على ضعف قدرته الشرائية ، وفي ظل الجائحة فإنه لا يخرج أصلا بمعنى أن دخله اليومي 0 درهم إذا استثنينا “الصدقات”.
من المعقول أن يشهر التجار لائحة أثمنة كل المواد المعروضة للبيع، و هذا من شأنه أيضا الحد من التلاعب اليومي في رفع الأسعار الممارس على هوى كل تاجر و بائع ، و سيجعل من الأسعار شأنا مشهورا معروفا لدى الجميع، بل و الأجدر أن يعلن عن أثمنة جميع المواد الغذائية في المنابر الإعلامية والقنوات التلفزية ليكون أمر المواطن شفافا أكثر.
من جانب آخر، ولو في ظل الحجر الصحي يستغرب الكثيرون مما بات يعرف بظاهرة التباهي و الافتخار من طرف فئة عريضة من المستهلكين؛ حيث يقبلون على اقتناء كل المواد الغذائية ولو كان سعرها مرتفع جدا فقط تباهيا و عجرفة وتكبرا وتفاخرا، والشاهد على ذلك أنه حسب استطلاع ميداني فإن قمامات الأزبال تمتلئ بمواد غذائية لا تزال صالحة للأكل، والاستطلاع تكرر مرارا فعثر على أن ثلثي القمامات توجد بها أطعمة مختلفة لم تفسد بعد، ما يدل على أن عملية تبضع المستهلك لا تخضع لا إلى نظام و لا إلى ذوق و لا إلى حاجة معقولة، مع الأسف، فإن أفراد ما يسمى بالطبقة المتوسطة فضلا عن العليا هي التي تشيع عمليا ثقافة الاستهلاك التفاخري الشره .
هنا يمكن أن نتهم المستهلك في تشجيع التجار على الزيادة في الأسعار، لأنه لو عقلن هذا المستهلك طريقة اقتنائه للمواد الغذائية لما ارتفعت الأثمنة بهذا الشكل الجشع المستنزف لجيوب الشرائح الاجتماعية الواسعة، إضافة إلى مسؤولية جمعيات المجتمع المدني في التثقيف و التوعية.
لكن هذا لا يعفي الدولة على الإطلاق في قيامها باللآزم، بمراقبة عملية توزيع المواد الغذائية وعملية تحديد أسعارها ومدى صلاحيتها للاستهلاك بواسطة أجهزتها الخاصة.
و يجب أن يواكب ذلك تعبئة المستهلكين بعدم الاستهلاك المفرط مع تبيان أضرار الاستهلاك المفرط المادية والمعنوية، والتأكيد على أن التوازن في المعيشة مطلوب، أي أنه ليس الأكل والشرب فقط هما سبب العيش و الحياة، وإنما تقوم الحياة على جوانب عدة تضمن للإنسان توازنه المادي و الروحي والنفسي، وبهذا ستكون للمواطن المناعة الكافية لعقلنة مصاريفه و نفقاته دون أن يسقط في أحضان تناقضات السوق وفتنه وتلاعباته في البضائع شكلا ونوعا و تسعيرا.
وتفرض ظروف الجائحة الخطيرة مهما كانت حرية التجار في تسعير بضائعهم و تحديد أثمنتها ، أنه لا يمكن لهذه الحرية بأي حال من الأحوال أن تكون مفتوحة بلا قيد أخلاقي ولا قانوني ، وإلا فالرد عليها سيكون سريعا من طرف المستهلكين بمقاطعتها أو النقص في استهلاكها ومن ثم سيضطر التجار إلى خفظ أثمنتها رغما عنهم، لأن المستهلك هو محور عملية التجارة، كلما ارتفع وعيه الاستهلاكي إلا وهبط السوق إلى المستويات المعقولة التي تناسب جيوب الغالبية العظمى من الطبقات الشعبية.
إن الجائحة ستفرض ظروفا أخرى ربما أكثر قتامة اجتماعيا واقتصاديا، على جل الاسر و الفئات محدودة أو عديمة الدخل، هذا وفضلا عن قفة رمضان ومستلزمات هذا الشهر الأبرك المختلفة المكلفة، فإنه أمام المواطن فصل الصيف ومصاريفه و عيد الاضحى و كبشه و الدخول المدرسي الجديد ومحفظته وملابسه وميزانيته، وعليه فإن الوضعية العامة التي يعيشها المغاربة حاليا تبعث على القلق الكبير جراء المخاطر التي تتهددهم على مستوى قوتهم اليومي، مما أفرز ظواهر خطيرة مست الجانب الأخلاقي والقيمي لهذه الفئات المتضررة و هي السواد الأعظم من المغاربة، قد تتضاعف هذه الإفرازات المخلة بالأمن الاجتماعي القومي تحت سطوة العدوى “الفيروسية الجائحة”.
فمن غير المستبعد إذا طغى من جديد سعار الأسعار بشكل مستفز فوق طاقة المواطنين فسوف يكون ذلك بمثابة صب الزيت على النار ، و ممكن أن نرى أفعالا وردود أفعال متجاوزة لمجرد مقاطعة بعض المواد الغذائية كشكل احتجاجي معروف ، إلى أشكال احتجاجية أخرى قد لا يتنبأ بها لا محلل ولا سياسي ولا مسؤول  لأنها قد تفرز قنابل من وحي الواقع المر المخبئ للقنابل الموقوتة.

Related Articles

One Comment

  1. موضوع الساعة بامتياز الله يعطيك الصحة اعمي ورمضان مبارك كريم اهله الله علينا وعليكم وعلى الامة جمعاء بالخير واليمن والبركات وكل عام وانتم والعائلة الكريمة بالف خير 🥀

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button