ثقافية

ماذا خسر المغرب بإجهاض الرسالة التنويرية لزاوية دار الضمانة ؟!

عبدالإله الوزاني التهامي

لا يمكن بأي حال من الأحوال وبأي دافع كان أن ينفي أو يلغي أو يعتم أحد عن الأدوار الطلائعية العظيمة التي قامت بها الزاوية الوزانية، وضمنها العائلة الوزانية الشريفة لصالح القطر والأمة، على المستوى التربوي والتعليمي والتثقيفي والجهادي، وغير ذلك مما لا يمكن تغطيته بغربال بفعل أثره بالغ الغور في الذاكرة الجماعية لكل إنسان، والمتجلي فوق كل شبر من جغرافية الأوطان.


في هذا السياق، سال مداد باحثين كثر ، تنقيبا و استقصاء وتعمقا في أغوار ماهية الزوايا وعلى رأسها زاوية دار الضمانة ، وسر نفوذها وطبيعة مرجعياتها، و نشرت الكثير من الأبحاث و الدراسات و المقالات في هذا الشأن، كلها تطرقت لمكامن قوة الزاوية وسر هيمنة شيخها -المؤسس ووارثو سره بالأحقية- على المريدين وسر تحوقل الملايين من الأنصار والمشايعين والمحبين حول الزاوية والشيخ، إلا أن ما يتراجع بشكل جلي، غياب بحوث و دراسات تقرأ أسباب تراجع هذه الزوايا ومنها الزاوية قيد الدرس عن أدوارها التي كانت تضطلع بها وأسباب تقلص نفوذ مشايخها في الزمن الحديث، بل وأفول كثير منها خاصة التي كان لها حضور قوي جدا، يشهد لها به التاريخ والجغرافيا، ومن ثم وجب التساؤل أيضا كيف تم كل ذلك التراجع ولصالح من وما هي الأضرار والخسائر المترتبة عن ذلك التراجع، على المستوى الشعبي والدولتي وعلى مستوى مؤسسة الزاوية بشكل خاص؟
بين أيدينا نموذج الزاوية الوزانية التي تراجعت تراجعا ملحوظا جدا، على كل المستويات حتى بات من الصعب أن يعرف خواص الناس قبل عوامهم من هو شيخ الزاوية وما هي مهامه وما هو أثره، و أكثر من ذلك فبفعل ذلك التراجع القاتل، بدأ البعض ومن هذا البعض طلبة و أكاديميون يشككون أصلا في الوجود التاريخي لهذه الزاوية بفعل غيابها الحالي المطلق عن المشهد الديني والاجتماعي، حيث اعتبروا هذا الغياب بمثابة فقد حلقة في سلسلة مشوار تاريخي يجب أن يمتد بدل من أن يتوقف، وذلك بفعل إذعانها لإملاءات و وصاية غيرها عليها، من جهة، ومن جهة أخرى بفعل “تسلط” فئة ممن ينسبون لعائلة آل وزان على “محطة إقلاع” مؤسسة المشيخة، وبفعل أيضا تعاطيها السلبي مع شؤونها الداخلية فيما يخص المريدين و المحبين و في علاقتها بالفروع المتناثرة عبر العالم و في تعاطيها مع ما يستجد من أحداث و وقائع قمة في الخطورة والحساسية، مما كما أسلفنا كان له الأثر السلبي على صورتها لدى الرأي العام وخاصة على الباحثين و الطلبة والمهتمين وعلى القصر أيضا -وهذا موضوع آخر أعددنا له ورقة أخرى-.
“مننا مايكون و بلا بنا مايكون ” مقولة سياسية حكيمة، أطلقها مولاي التهامي {مول السوق الحامي}، في وجه رأس الدولة السلطان مولاي إسماعيل، ذات لحظة تاريخية مفصلية، شكلت فيها الزاوية الوزانية صمام أمان الدولة داخليا وخارجيا، فترة احتدمت فيها غيرة العلويين من توسع نفوذ الزاوية الوزانية، الذي تعدى الحدود و تجاوزها، في اتجاهات عربية وإسلامية عدة، لم تكن المقولة عبارة عفوية لا تحمل معاني و دلالات، بل إن مولاي التهامي لم يصرح بها في وجه الحاكم آنذاك كما هو متداول بالتواتر، إلا توضيحا للمبهم، و كشفا للحجب عن صورة الزاوية الوزانية في أعين السلطان والبلاط ، حتى يدرك حقيقة الزاوية و مراميها و مقاصدها، وإيغالا في الشرح الفصيح أن زاوية دار الضمانة اا تطمع في حكم ولا في سلطة مادية، وإنما هي زاوية للتربية والتزكية والتعليم والتنوير والسمو بالروح إلى عوالم أرقى وأسمى من أدران الكراسي والمناصب، ووجد ذلك ترجمته فيما اشتهرت به وزان بكونها : عاصمة مملكة الأرواح.
لقد لعبت الزاوية الوزانية، أدوارا طلائعية على جميع الأصعدة و الواجهات، في العمل الاجتماعي الإحساني والأمني مثلا ، حتى أصبحت مقرات فروعها محجا لآلاف الجياع والمرضى والخائفين والمضطهدين، و في العمل الجهادي حيث عرفت باحتضانها لثورات عدة في وجه المستعمر الغاشم، وعملت على محاصرة المحتل بحدود سبتة المحتلة، وفي العمل العلمي و الصوفي و السلوكي، بلغت فيه مدارج لا يضاهيها فيه عمل زوايا أخرى، حتى عرفت بالزاوية ذات الأقطاب ال7 ، يليهم زمنيا أقطاب لم يكشف النقاب عن أسمائهم لحكمة ربانية بليغة، وأما في الجانب العلمي فلا يخفى على أحد ما اشتهرت به خزانتها من مخطوطات ومطبوعات في شتى ضروب العلم والمعرفة تجاوز عددها 14 000 مخطوط، نهبت وسرقت وهربت غالبيتها في واضحة النهار وفي جنح الظلام على يد مسؤولين عينوا على رأس إدارات المدينة، وعلى يد مسؤولين منهم من “مد يده” من الرباط ليأخذ نصيبه من المخطوطات النادرة النفيسة، وكذلك كان أيضا فعل ذوي القربى أشد لما ساهموا في تسريب نصيبا ليس باليسير من الوثائق المخطوط منها والمطبوع في اتجاهات غامضة ومشبوهة.
لكن الذي يلفت الانتباه الآن، انتباه الباحثين والموالين والمحبين والأنصار على حد سواء، تراجع دور الزاوية الوزانية، و تشتت صفوفها، وتجمد فروعها، وكسوف رموزها، و حسب علمنا فإن مرد ذلك إلى عاملين أساسيين: عامل ذاتي، يتمثل في الخلاف الناشئ بين نخبة الزاوية و نسبها الشريف، حيث أن كل شخص يدعي وصلا ب”ليلى”، رغم أن ليلى “نسبه و زاويته” لا تقر له بذلك الوصل، وهيمنة نزعة “الأنا”، وعامل خارجي، يتمثل في قيام الدولة المخزنية العلوية عبر وزارتها الوصية، بضرب كل مصادر قوة الزاوية ونسبها بطرق “السم في الدسم”، حتى لا تقوم لها قائمة بالشكل الذي سادت فيه وتوسع نفوذها، وبعض أوجه ذلك دعم الدولة السخي لزاوية أخرى لم يكن لها حضور لا في الزمان ولا في المكان، ضدا على الحضور الوازن للزاوية الوزانية، فعل مسكون بحساسية سياسية مفرطة تشتم آثاره بشكل جلي.
و بمجرد استحضار مرحلة تاريخية، من حياة الزاوية الوزانية، يدرك الباحث و الإنسان العادي، أهمية حضور الزاوية الوزانية -دار الضمانة- في الساحة المغربية و العربية و الإسلامية، سياسيا واجتماعيا وسلوكيا وجهاديا، مما جعل كل مهتم بالتاريخ المغربي العريق، يحن إلى الماضي العظيم للأمة، ويتشوق إلى أن يرى الأثر التربوي والاجتماعي والسياسي لزاوية مولاي عبدالله الشريف يسري بين صفوف المجتمع، كل المجتمع، خادما الدولة ككل عموديا وأفقيا، و رافعا من مكانتها، محررا للعقول ومنورا للقلوب، ومحصنا للحدود.
إن نظام الحكم في المغرب -مع الأسف الشديد- ، يرتكب خطأ جسيما، بإصراره على ضرب الزاوية الوزانية بأسلوب خطير ينم على وجود “تيار” استئصالي يشتغل بشكل منهجي ضد العائلة والزاوية معا، و بتحجيم الجهة “الماكرة” لأدوار المؤسستين الاستراتيجيتين، و بتشتيتها لصفوفهما، وبتدجينها واحتوائها لنخبهما و أطرهما الفاعلة النشيطة.
إنه أعظم خطأ ترتكبه الدولة العلوية في حق الوزانيين -وإن كان العكس فلتدل لنا بما يفيد- ، لأننا إن تمعنا مثلا في مقولة مولاي التهامي : {مننا مايكون وبلا بنا مايكون }، نفهم بكل سهولة أن الزاوية لا تطمح للحكم ولا تنازع “أهله”، وفي نفس الوقت، أنه بالاستغناء عن دورها إلى جانب كل مكونات المجتمع وتهميش ذلك الدور، لن تقوم للدولة المغربية قائمة قيمة ذات قيمة، أي أنها لن تنعم باستقرار تام ولا تقدم ولا تحضر، بالشكل المطلوب، كما تريده الزاوية -ونسب مؤسسها- و تحبه لهذا البلد الأمين.
لن ينكر المغاربة والعرب والمسلمون المهام الجسيمة التي تحملتها الزاوية الوزانية، بإحلالها للتوازنات السياسية و الاجتماعية والقبائلية بإشاعة قيم التسامح والمحبة والإخاء و العدل، كما لن ينكر أحد دورها في استتباب الأمن والاستقرار وبناء مجتمع تسوده مثل التنافسية الشريفة في السير به في طريق البناء، وذلك بتربيتها الصوفية القائمة على تطهير الأنفس و نكران الذات و الترفع عن الأنا والبعد عن حب الدنيا والتبرإ من التصارع غير الشريف حول جاهها و مغرياتها ومناصبها.
وبالمناسبة ألتمس من القصر أن يكلف نخبة من مستشاريه ومؤرخيه النزيهين الصادقين بمهمة تسليط الأضواء الكاشفة على مسار وتاريخ وتراث الزاوية الوزانية والعائلة الوزانية وطبيعة علاقتهما بسلاطين الدولة العلوية ودورهما في قيام الدولة الجديدة بعد أفول نجم الدولة السعدية، وكيف ساد النفوذ الروحي لمشايخ الزاوية كل ربوع البلد، لينعم الحاكم والمحكوم بسلم نحسد عليه لحد الآن.
ألم يسجل التاريخ ببصمات غائرة دور الزاوية الوزانية في التقارب بين الشعبين الجزائري و المغربي بفعل ما للزاوية من نفوذ روحي و اجتماعي في الدولة الشقيقة، بتم التعتيم عمدا عن هذا الأمر لدرجة أنه لم يذكر قط رسميا في وسائل الإعلام أو على لسان المسؤولين، ألم يسجل التاريخ ما كان للزاوية الوزانية ب”اسنادة الريف” من دور كبير في دعم المقاومة التحريرية التي قادها محمد بن عبدالركيم الخطابي ضد جنود المستعمر الغاشم، ألم يسجل التاريخ الحضور الوازن للزاوية بين أهالي غمارة و غيرها من قبائل المغرب و أثرها البليغ في تلك الثغور على المستوى الثقافي و الاجتماعي والصوفي والجهادي، ألم يسجل التاريخ محاصرة بعض شيوخ الزاوية لسبتة المحتلة لتشديد الخناق على المحتل، ألم يسجل التاريخ ما قامت به الزاوية من تحكيم بين قبائل المغرب المتناحرة والصلح بين أعيانها وقبائلها من جهة وبينها وبين السلاطين من جهة أخرى، ألم يسجل التاريخ ما كان للزاوية من حضور فعلي وازن على كل الأصعدة في كل مدينة و قبيلة، حتى لا تكاد منطقة تخلو من فرع من فروع الزاوية بها ؟؟؟
سردنا هذه التساؤلات للاستئناس ليس إلا، وإلا لما توقفنا عن استقصاء تاريخ الزاوية و سرد تفاصيل دورها الفاعل في خدمة الوطن، قبل أن تتكالب ضدها قوى الفساد والاستبداد والاستئصال، التي أرادت الاستفراد بمربع الحكم لوحدها و لو بضرب كل قوى المجتمع الحية لصالح قوى وتيارات معادية للإسلام الحق.
و أما الآن فأصبحت الزاوية مجرد لوحة أو فلكلور للاستئناس و التسلية و ذر الرماد في أعين الناس، وأصبحت أيضا بقرة للاستنزاف وقطعة أثرية للتأثيث، وكذلك حلبة للتناطح بين الوصوليين وذوي المطامح الخاصة، لأن لب الزاوية وأسسها والأركان التي انبنت عليها حتى سادت العالم، تكاد تتبخر بشكل نهائي حسب الملموس مع تفاؤلنا ببروز جيل صاعد يهدف إلى تجديد أصولها الحقيقية للنهل من معينها الصافي لتعود إلى القيام بدورها الطليعي الذي على أساسه قامت أول مرة على يد مؤسسها الأول مولاي عبدالله الشريف سليل الدوحة النبوية الطاهرة العظيمة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button