
صهيب مهدي
بين “الإغراء” الانتخابي و”التحدي” النضالي:
مكانة الحزب السياسي في البناء الديمقراطي الحداثي مسلم بها في الأدبيات السياسية المتعددة المفاهيم حول هذه المؤسسة السياسية والمتنوعة الادوار المنوطة بها، الا أنها جميعها تأكد أن كل تجربة مجتمعية سياسية تفرز نموذجها الخاص بها في ظل ديناميات تفاعل فاعليها الاساسيين وتحولات نسيجها المجتمعي السوسيو اقتصادية والثقافية…

هذه الاعتبارات تستدعي تحديد مهام وآليات عمل جديدة في كل مراحل تطور هذه المجتمعات، تنقل الفعل الحزبي من مفهومه الكلاسيكي المتجاوز الى مفاهيم أكثر انفتاحا على تحولات هذا المجتمع…، ولهذا تعد الممارسة السياسية الديمقراطية المحلية وآليات تفاعلها واشتغالها أهم “ماكينات” وديناميات انتاج هذا النموذج الحزبي الذي يستند بالأساس على المؤسسات الحزبية ومناضليها في تجويد هذه الممارسة وتأطيرها، باعتبارها أهم مؤسسة للتنشئة السياسية وللتمثيل والتأطير والترافع والتكوين والتدريب على التدبير وممارسته…، ولهذا غالبا ما يقترن مفهوم الحزب كمؤسسة بأدواره ومهامه في تجسيد قيم المواطنة كحقوق وواجبات في ممارسة الفعل السياسي والإشراك في إدارة تدبير الشأن العمومي، بما فيه الشأن العام الترابي المحلي، فالفكرة الوجودية للحزب مسلم بها باعتباره دعامة ضرورية لتفعيل النظام السياسي ودمقرطته وتأهيل مؤسساته… وبعيدا عن الاختلافات المفاهيمية، السائدة في أدبيات المفكرين السياسيين ودروس العلوم السياسية النظرية رغم أهميتها، حول مفهوم الحزب السياسي ووظائفه في النظام السياسي وقريبا من واقع حال الممارسة السياسية بمناطق هي في أمس الحاجة الى انغراس هذه المؤسسة في تربتها السياسية القاحلة والوعرة، وعورة تربتها الجغرافية وتضاريسها الجبلية…
قبل ذلك لابد من التذكير أنه يعمل الحزب السياسي نظريا، طبقا لأحكام الدستور والقوانين التنظيمية الملحقة به، على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام . كما يساهم في التعبير عن إرادة الناخبين ويشارك في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية حسب القانون التنظيمي للأحزاب السياسية . فهذا الفصل السابع من الباب الاول الذي يحدد الاحكام العامة لهذا الدستور ينص على أنه : ” تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية تُؤسس الأحزاب وتُمارس أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون. نظام الحزب الوحيد نظام غير مشروع. لا يجوز أن تؤسس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، وبصفة عامة، على أي أساس من التمييز أو المخالفة لحقوق الإنسان. ولا يجوز أن يكون هدفها المساس بالدين الإسلامي، أو بالنظام الملكي، أو المبادئ الدستورية، أو الأسس الديمقراطية، أو الوحدة الوطنية أو الترابية للمملكة. يجب أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية. يحدد قانون تنظيمي، في إطار المبادئ المشار إليها في هذا الفصل، القواعد المتعلقة، بصفة خاصة، بتأسيس الأحزاب السياسية، وأنشطتها ومعايير تخويلها الدعم المالي للدولة، وكذا كيفيات مراقبة تمويلها.”
فبعد دستور 2011 ، تأكد تعزيز الآليات الدستورية الخاصة بالأحزاب السياسية، والتي حاولت تقوية دورها التأطير إلى المشاركة في ممارستها للسلطة، وتقوية دورها في تأهيل المشهد السياسي وفق مبادئ الديمقراطية وبوسائلها من أجل تخليق الشأن العام والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين على أساس التعددية والتناوب…، فهذه المهام النضالية الملقاة على عاتق الحزب السياسي تصطدم بصخرة “الواقع المتكلس” الذي يجعل من الديمقراطية المحلية كأهم تعبير للفعل الحزبي السياسي، وكأهم مدرسة لتنشئته، فلا يكاد ينتهي صدى المعركة الانتخابية بإقليم شفشاون، حتى تغلق القلة القليلة من الاحزاب التي كانت قد افتتحت مقراتها بهذه المناسبة، هذه المقرات التي أصبح يطلق عليها “الدكاكين الانتخابية”.
وإذا كان منسوب الثقة في العملية الانتخابية لابأس به، حيث تتجاوز نسبة المشاركة الانتخابية بالاقليم عتبة العشر نقط على المعدل الوطني حسب اخر انتخابات، ففي انتخابات الجماعات الترابية كانت 62 في المئة 53 على المستوى الوطني وكانت في الانتخابات التشريعية 52 في المئة 42 على المستوى الوطني. فإن مؤشراته المستقبلية ومنحاه التراجعي لا يبشر بالخير، يجعل من مشروع إعادة الثقة للمواطن في العمل السياسي والمؤسسات تحدي حقيقي لتجاوز استمرار العزوف والتشكيك في شرعية الممارسة الديمقراطية المحلية،
ومأسسة مطالب العدالة المجالية وتجاوز واقع الهشاشة الاجتماعية ومعضلاتها…، ولاشك أن هذا الرهان يحتاج لنخب حزبية حقيقية تمارس السياسة بشكل مغاير للمنطق الانتخابي الضيق الذي يجعل من المكاسب السياسية كل شيئ ومن ممارسة العمل السياسي بمفهومه النبيل لاشيئ.
لهذا تحتاج اليوم أحزابنا وفروعها المحلية الى مناضلين حقيقين ونخب في مستوى المرحلة، يتجاوز دورهم حسم الرهان الانتخابي، رغم أهميته، الى أدوار نضالية ترتبط بالقدرة على التنشئة والتأطير السياسي لبناء المشروع المجتمعي الديمقراطي وتنزيل اختيارات النموذج التنموي المنشود…، فبعد عقود عديدة على تبني الخيار اللامركزية وسنوات اخرى على طرح المشروع الترابي المقرون بالجهوية المتقدمة في المغرب، مازال التدبير العمومي المحلي الجيد لم يبرح مكانه بعد، ومازالت الأهداف التي ناد بها الخطاب الرسمي لم تجد من يمثلها، جعلت الاوضاع والطموحات نحو تحقيق التنمية المنشودة والمساهمة في الحد من الفوارق وتحسين جاذبية وتنافسية المجال الترابي…، تسير بخطى مترنحة ورتيبة.
ولعل احدى أسبابها عجز نخبها السياسية على الابداع الابداع السياسي والحكامة التدبيرية، حيث الاحزاب مطالبة بتقديم حصيلتها في إنتاج الكفاءات والطاقات اللازمة للتدبير الترابي…، جعلت مسار تنزيل المشروع الترابي وفقا للوثيقة الدستورية يعرف إكراهات حقيقية حسب المناظرة الوطنية الأولى للجهوية، التي المنعقدة في دجنبر 2019، والتي تبنت توصيات عديدة من أجل ترشيد عمل الجهات منها تعزيز انفتاح الجهة على المواطن والمجتمع المدني لتمكينه من المساهمة بصفة عامة في التنمية الجهوية الدامجة.
ولعل هذا الانفتاح على المجتمع المدني يتطلب مهارات خاصة وتفاني في خدمة القضايا الاساسية المحلية للمواطنين التي تفرضها ديمقراطية القرب. فخدمة المواطنين وضمان حقوقهم المشروعة، كما أكد على ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في رسالة إلى المشاركين في هذه المناظرة “يجسدان الغاية المثلى للهياكل والبنيات الإدارية، بمختلف تصانيفها وأنظمتها القانونية والتدبيرية. فالجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة والمؤسسات العمومية، مدعوة إلى تعبئة جميع مواردها البشرية والمالية واللوجستيكية، لتوفير خدمات عمومية تستجيب لشروط النجاعة والإنصاف في تغطية التراب الوطني” لهذا ذكر في نفس الرسالة “بأهمية مواكبة الجماعات الترابية، في مجال التكوين ودعم القدرات التدبيرية للمنتخبين، ولموظفي الجماعات الترابية، في كافة مجالات تدخلهم، من أجل الرفع من أداء إدارات الجماعات الترابية في هيكلتها الحديثة.”
لهذا فإن هذه الرهانات، وتجاوز هذه الاكراهات، وتحرير الطاقات التدبيرية المحلية…، يتطلب إنتاج حقيقي حقيقي لهذه النخب وتأهيلها للممارية السياسية الديمقراطية المحلية، تتجاوز الرهان الانتخابي المحلي الضيق. فالنقاشات السطحية محليا، والتي غالبا ما تسود العالم الافتراضي وتبتعد على مقرات الاحزاب وقنواتها الرسمية، والتي واكبت مسألة تعديل القاسم الانتخابي المتعلق بانتخابات مجلس النواب، وعدم وجود صدى للنقاشات الوطنية الكبرى محليا، مثل النموذج التنموي، تقنين الكيف، منظومة الحماية الاجتماعية، اصلاح التعليم…، مؤشر لضعف قنوات الوساطة السياسية، وتعبير عن “بؤس” الثقافة السياسية للفاعلين الحزبين المحلين، باختلاف مواقعهم، حيث أصبح رهانهم الاساسي هو الحصول على المواقع والتزكيات والامتيازات وحلاوة التدبير والتوقيع… في وقت تحتاج فيه هذه المناطق إلى أحزاب قوية بنخبها، قادرة على مناقش القضايا الكبرى للشأن العام، وإنتاج القوة الاقتراحية التدبيرية والنضالية التي تدفع في اتجاه تخليق الحياة السياسية وإعمال السلطة الرقابية البناءة…، حتى يكون لإرادة الناخبين والمواطنين تأثيره الحقيقي في تدبير الشأن العام المحلي وإنضاج تمرينه الديموقراطي، كأحد مسلمات قواعد اللعبة السياسية.


