ثقافيةمقالات رأي

من وحي تجربتي في التسيير الجامعي..


د.فاطمة الزهراء ازرويل

لم أطمح في حياتي لمنصب أو مال. كنت أمر بظروف صعبة، وكان أقساها هو سفر ابني الوحيد لإتمام دراسته بالخارج. كنت فعلا محتاجة إلى تغيير، وعندما صادفت في إحدى الجرائد إعلانا عن الترشيحات لمنصب عمادة إحدى كليات الآداب خارج الدار البيضاء، توجهت لسحب الملف.
عانيت الكثير خلال أربع سنوات من العقلية الذكورية السائدة، ولكنني نجحت في تكوين فريق عمل رائع ومنسجم، وحققنا من خلال العمل اليومي الدؤوب والمتابعة منجزات كثيرة على جميع المستويات. كانت فترة مرهِقة وصعبة بمعنى الكلمة، وما زلت أعتبرها حتى اليوم خطأ في مساري، ولكنها فتحت عينيً على واقع تسيير وتدبير التعليم العالي وشؤونه في بلادنا، وهو واقع كنت أجهله تماما على الرغم من سنوات طويلة في التدريس الجامعي.


لقد ابتُلي هذا البلد منذ أواخر التسعينيات، برجال دولة نهجوا اختيارات أفرَغت الجامعة من محتواها ومهامّها، في تكوين العنصر البشري في سائر فروع المعرفة وإنتاج البحث العلمي. شاعت الأفكار المنقولة عن الإصلاح الجامعيّ في فرنسا، وهي أفكار يندّد بها الأساتذة الفرنسيون اليوم، ويفضحون نتائجها الوخيمة على جامعاتهم. أصبحت الجامعة المغربية في نظر مسيريها الكبار ” مقاولة”، وتـركًــــزَ الاهتمامُ على الكلمات المفرغة من أيّ معنى ك” الامتياز” وأقطابه pôles d’excellence ، وتمّ التوجه نحو تفريخ المدارس العليا التي تخدم هذه الأفكار بدون مقرات خاصة بها في البداية، بالإضافة إلى إهمال، بلْ وتحقـير، كليات الآداب والعلوم الإنسانية، الشيء الذي تعكسه الميزانيات الهزيلة التي تتلقاها قياسا إلى المؤسسات الجامعية الأخرى.
كان البرنامج الاستعجالي كارثيا في ترسيخ هذا التوجه، وفي إغراق الكليات وموظفيها في عمل تقنيّ لا ينتهي…مَلْءِ الاستمارات، والاستبيانات، والتكوين على البرامج المعلوماتية ووو…
والخلاصة أنّ كلّ شيء حاضرٌ في تمثيليـة الإصلاح، ما عدا الاهتمام بمحتوى التعليم الجامعي ورسم أهدافه التي تهمّ مستقبل بلـدٍ وأبنائـِه.
في منظومة التسيير هذه، يشكل ” مجلس رؤساء الجامعات” هيأة تقريرية عليا، وما على العمداء إلا التنفيذ، مع العلم أن أغلب الرؤساء يسايرون التوجه المذكور، بل إنّ بعضهم كان مقتنعا بضرورة التخلي عن المجانية وفرض رسوم التسجيل على الطالبات والطلاب. الأفظع من ذلك، أن الطاعة والصمت يشكلان أساس علاقة العمداء برئيس الجامعة… وذلك ما لم أكن ألتزم به، وكثيرا ما كنتُ أعلن اختلافي معه في اجتماعات التنسيق ( الله يرحمو).
إليكم عزيزاتي أعزائي هذه التجربة وبعض الخلاصات، لعلها تشفع لي في هذه الإطالة التي أحاول تجنّبـَها…شكرا لكنّ ولكم على إيقاع المطر… أمسية سعيدة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button