دوليةمقالات رأي

إيطاليا..ملحمة الصراع وتراجيديا الموت

سيف الدين رحماني*

التآكل الذاتي، هي حقيقة بيولوجية لخلية مخترقة تدمر نفسها بنفسها، هكذا لقبها أحد المعلقين على أحداث ماقبل النهاية في زمن النهاية، ايطاليا الآن تتآكل و ربما ستنهار.

على الأرجح هي المحاكاة الأنسب والتصوير الأقرب لما يحدث الآن في ايطاليا، البلد العجوز في دنيا الشباب. هذا الأخير آنيا، لا نستطيع الا أن نقول بأنه في حالة انهيار بدون سابق إنذار، وبلا تهويل و لا تضخيم، و انما هو من باب سرد الواقع و الوقائع .فالحقيقة ثابتة واضحة يحكيها لسان الحال بشيء من الواقعية الأرسطية المنصفة. فلا سبيل لأن نغطي الشمس بالغربال.

اما من جانب اخر، فلا مفر أمام هذه الجائحة التي اجتاحت كل نقطة في العالم الا أيدي ترفع، و قلوب تخضع، و عيون تدمع، و ارواح تضرع، نجدة من رب السماء ومصرف الأمور كيف يشاء.

حسب فهم كثير من الفاعلين في المجال الديني، أئمة، رهبان، قساوسة، حاخامات..الكل الآن اتحد على رفع أكف الضراعة رغبة أن ينقشع سحاب هذا الدخيل، وينكشف حجاب غم هذا الطارئ الجديد.

أيام تلو أيام، و ليال أخر.. و إجراءات صارمة، و لكن للاسف كانها تزيد الطين بلة.
العدد يتزايد كل يوم، وكأنهم يصبون على النار بنزينا احمرا. و مع انه طبق حظر التجوال التام، و اقيم الحجر الصحي الصارم، و أغلقت المدارس و الجامعات، والمراكز التجارية، والمحلات والمطاعم؛المقاهي والاكشاك. و أفرغت الساحات و المنتزهات والاماكن العامة؛ أخليت الشوارع. تقريبا كل شيء في حالة جماد، اذا سنحت الفرصة لكل واحد منا ان يرى ايطاليا الآن، روما، ميلانو، البندقية، صقلية، سردينيا، فلورنسا، بيزا، نابولي، جنوة..  فسيراها مدن أشباح كأحد مدن الأفلام الهوليودية الغابرة!
قل بكل ثقة، أن ايطاليا الجمال، ايطاليا الحضارة، ايطاليا التاريخ، إيطاليا القانون، إيطاليا التكنولوجيا، إيطاليا المحركات، إيطاليا الموضة، إيطاليا المطبخ، إيطاليا “البرستيج”، الاناقة والحضور، إيطاليا الشموخ.. نعم وربما أكثر.. أضحت هذه الايام، مدينة خالية على عروشها، يبكي الشعراء أطلالها، و تمسح الدموع جدرانها، و ترثي النساء أمواتها.

لم يفهم إلى حد الساعة، المسؤولون القائمون على رؤوس هذا البلد، الميكانيزم الانتشاري لهذا الفايروس، كالنار في الهشيم يتحرك، بدون حواجز و لا ممهلات، ولا يرقب في انسان إلاًّ ولا ذمة.
فقبل اربعة، كان عدد الموتى في حدود الستمائة ، ثم تضاعف في اليوم الذي بعده الى ثمان مئة، ثم هكذا الى تسعمائة فألف.. وكأنك في باحة رصد البورصة العالمية، تزيد و تنقص في دهشة، أما عدد المصابين فتجاوز التسعين الف مصاب، و هو على أبواب المائة ألف مصاب.
يخبرني أحد معارفي، بعد اتصال أجريته معه، من المناطق الموبوءة في إقليم اللومبارديا، أكثر البؤر فتكا بهذا الفيروس، و الذي يحوي أكبر نسبة كثافة سكانية في ايطاليا كلها، بما يتجاوز عشرة ملايين نسمة، و هو الإقليم الأكثر نشاطا وفعالية في المجال الاقتصادي، إذ يعتبر العصب النابض لايطاليا، لما به من معامل و استثمارات أجنبية، و رؤوس الأموال الكبرى في العالم.. بالضبط في مدينة بيرغامو، بأنهم و بصراحة، بالفم الممتلئ، لم يجدوا أين يلقوا جثث الموتى أو يدفنوها …أو بالأحرى في مدينة بياشنزا يقول أحد المسؤولين هناك، أن محرقة الموتى لا تكاد تتوقف عن الحرق.
وإن تكلمنا عن الحرق، فلا يستغربن قارئ هذا المقال ممن لم يدرج فكره عن هذه الطريقة في التعامل مع جثة الميتى، اذ هي عادتهم قبل حلول الوباء، إما أن تكون وصية المتوفى، أو لارتفاع تكاليف الدفن.

اما الجالية العربية المسلمة، فذاك عكس الحال، فتخصص لها و الحمد لله مقابر للمسلمين، بجهود متظافرة من قبل المراكز الإسلامية القائمة على هذا الأمر، فتم ولله الحمد إكرام ضحايا هذا الوباء بدفنهم و الصلاة عليهم، تماما كما يفعل في بلاد المسلمين.

يقول رئيس مجلس وزراء ايطاليا في جلسات دورية، باننا في حرب مع عدو لا يرى …وجب علينا الاتحاد والتكاثف لدحره و طرده.

ولكن هيهات هيهات يا وزير، أو كما قال الأعشى:

كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً ليِوُهِنَها** فَلَمْ يَضِرّْها وأوْهى قَرْنَه الوعِلُ

قبله أعلن رئيس منظمة الصحة العالمية، حالة الاستنفار العالمي بشان هذا الوباء، وأن تعد الترسانة الطبية و الانسانية اللازمة للتصدي له و إيقافه.  يحصد الأرواح حصدا، حتى من كان في الخط الاول، و من تصدى له من الاطباء، سقط الواحد تلو الاخر، فمات قرابة 51 طبيب، في جل المستشفيات الايطالية. هلك المداوي و المداوَى و الذي جلب الدواء و باعة الدواء ومشتروه.
لا يعرف كبيرا و لا صغيرا، لا غنيا و لا فقيرا ، لا بصيرا و لا ضريرا.. يصفي و يغتال، يقتل و لا يستطيع ايقافه أحد …تخطى كل الحدود، برية كانت بحرية او جوية. ولا يعترف بحواجز جمركية، و لا برسوم دفعية، و لا استئذانات دبلوماسية،و لا بروتوكلات شكلية. اينما اريد له الدخول يدخل، هو الموت لا منجى منه  وما نحاذر بعد الموت ادهى و أفضع!

يصرح كثير من الإيطاليين المتضررين من هذا الفيروس، بأسى و تحسر، ويعاتبون على الحكومة الايطالية، منظومتها الصحية (التي تحتل المراتب الاولى عالميا): “لماذا قلتم لنا بأنها مجرد أنفلونزا عابرة، لماذا قلتم لنا بانها لا تصيب الا الكبار، لم ولماذا.. ها وقد طالت الشيوخ و أصابت الشباب الرجال و النساء …”

هي اذن ملحمة الصراع مع هذا المرض، و تراجيديا الموت المستمر الذي لا يريد منا فكاكا، لا ندري هل يأفل غيم هذه الأيام السوداء آخذا معه ذكريات الظلام الذي خيم ساعات و أيام و شهور على صفحات بلدان ظنت انها بعيدة عنه كل البعد، ولم تحسب له أدنى حساب.

فربك يخلق مايشاء و يختار….

 

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button