سياسيةمجتمعيةمقالات رأي

أعطاب الديمقراطية المحلية وسبل البناء

صهيب مهدي

الديمقراطية هي أسلوب عملي  وعلمي  للممارسة السياسية، ومنهجية تقنية للتداول على التدبير العمومي، ومحتوى فكري فلسفي للرؤية السياسية والحزبية المعاصرة …. إنها فلسفة سياسية شاملة للحياة السياسية المعاصرة، ولكل زوايا الشأن السياسي التدبيري، وهي أيضا مدرسة أساسية للتعلم والتنشئة السياسية، يتم التعامل معها على مستوى الواقع المعاش مغربيا بانتقائية واضحة ولغة خشب فاضحة…

 

ولما كانت أهمية مسألة الديمقراطية تحيل سياسيا لمختلف القضايا الأساسية التي  تأطر العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، والبوصلة الرئيسية لإرشاد الالتزام السياسي لمختلف اللاعبين السياسيين، والميزان الضابط لإيقاعات التوازن الضروري بين حرية الأفراد والهيئات والسلطات، وبين الحق والواجب، لازال أهم فاعل سياسي معني بها ألا وهو الفاعل الحزبي، باعتبار جدلية الديمقراطية والحزب المسلم بها في الأدبيات السياسية المعاصرة المتعارف عليها، لم يعرها بعد الأهمية اللازمة.

فالتطور الديمقراطي والنضج المؤسساتي المرتبط به يتوقف على الممارسة العملية السليمة لقواعدها من طرف الجميع، مواطنين وأحزاب ومؤسسات، حاكمين محكومين… بشكل منتظم ودائم يكرس الإحساس والوعي بأهميتها في التأثير على الاختيارات السياسية وانعكاساتها على الواقع المعاش، حيث تتمخض عن هذه الدينامية قيم المواطنة وسلوكات الإسهام في البناء السياسي الحقيقي السليم…، وحيث تنتظم في رحابها قواعد الاعتماد المتبادل بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع وقواه الاجتماعية المعبرة على تطلعاته المستقبلية والانية. إنها كخلاصة الشكل قانوني والمؤسسي الحديث المعبر عن المجتمع بجميع أطيافه والدولة بكل مؤسساتها أي الفلسفة السياسية لإدارة الشأن العام بمفهومه الواقعي المعاصر.

هذه المقدمات تفرض علينا التساؤل حول مدى انغراس الديمقراطية في واقعنا المحلي ؟ ومدى تشبع الجميع بقيمها ومبادئها ؟… وإذا كانت الأجوبة بالضرورة غير آلية وتقنية، وغير إيجابية، باعتبار الديمقراطية المحلية مدرسة للتنشئة وتراكم مجتمعي وخبرة سياسية … تحتاج إلى “الطبخ” على نار هادئة كما تحتاج إلى “النضج” الزماني المناسب، والى الفاعل الحزبي المحلي القادر على تأطيرها في تربتها المناسبة و”غرسها” في مجالها الحيوي الملائم…، ولعل المجال المحلي أحد أهم تعبيرات هذه الاهتمامات خصوصا بعد فتح المغرب للورش الترابي من أجل تأهيل هياكل الدولة وتحقيق النموذج التنموي المنشود، بعد تزايد أخطار المعضلات الاجتماعية المتفاقمة…،.

إذا كان الجميع يستشعر خطورة الابتعاد على رهانات الديمقراطية المحلية بمفاهيمها الجديدة، خصوصا على مستوى الجماعات الترابية كمدرسة للتنشئة السياسية، ولإنتاج النخب المحلية، وللتدبير المؤسساتي… وكان البعض ينبه الى خطورة الانزلاق عن مسار قواعدها السليمة أو إلى بعض الاعطاب التي تواجهها على المستوى العملي، فإنه لا سبيل إلى تجاوزها إلا بمزيد من تكريسها كعلاج لمواجهة الأمراض السياسية السائدة، وإنعاشها بالمكملات اللازمة لتجاوز المشاكل التي يعيشها المجتمع السياسي محليا، فدور الأحزاب، ووظائف النخب، وتدبير المؤسسات، وتحقيق التنمية بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية… كلها مواضيع مرتبطة بالممارسة الديمقراطية المحلية وبأهميتها في إنتاج نخبها القادرة على تقديم الوصفات المناسبة والتجارب الضرورية لتجاوز اكراهاتها وانحرافاتها.

وإذا كنت الديمقراطية كشكل وكمضمون تتجاوز الإجراءات والترتيبات والوصفات الجاهزة من فوق وتطمح إلى الرفع من تحث جودة الأداء السياسي المحلي، فإنها تظل شأنا مجتمعيا على كل القوى الحية المؤمنة بالمشروع الديمقراطي الحداثي الدفاع المستميت على أهميتها في بناء المؤسسات والمجتمعات وتجاوز الهشاشة السياسية والنعرات القبلية والولاءات الشخصية وانتشار الزبونية السياسية والرشوة ورجحان المحسوبية على حساب القيم الجماعية المشتركة والشعور بالانتماء الوطني… إنها مدرسة دينامية مركبة ومعقدة تحتاج إلى نضال حقيقي من طرف هؤلاء، ولعل أهمهم الفاعل الحزبي المحلي الذي سنتناوله في الهمسة السياسية المقبلة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button