ثقافية

مهرجان العود بتطوان.. اختلالات التنظيم وغياب جائزة زرياب

بقلم : محمد آيت بن العربي

لم تكن الدورة الحالية لمهرجان العود بتطوان عادية في تفاصيلها ولا في أصدائها، فقد رافقتها منذ انطلاقتها انتقادات تجاوزت حدود التنظيم لتطرح أسئلة أعمق حول هوية هذه التظاهرة، والاختيارات الفنية المعتمدة، ومستقبل رصيد ثقافي راكمته المدينة على امتداد سنوات.

فمنذ اليوم الافتتاحي، عاش مسرح إسبانيول على وقع ارتباك واضح في تدبير دخول الجمهور، بعدما وجد مئات المدعوين أنفسهم خارج القاعة رغم توفرهم على الدعوات، بسبب توزيع عدد يفوق طاقتها الاستيعابية. ولم يقتصر الأمر على الاستياء من حرمان محبي الموسيقى من متابعة السهرة، بل إن التدافع الذي رافق محاولة الولوج أثار مخاوف حقيقية من وقوع حوادث خطيرة.

وامتدت الملاحظات إلى الأجواء داخل القاعة، حيث اضطر الفنان اللبناني مارسيل خليفة إلى التنبيه أكثر من مرة إلى الضجيج الصادر عن الكواليس، معبرا عن انزعاجه من بعض السلوكيات وضعف التفاعل مع العرض. كما غابت السينوغرافيا التي شكلت إحدى نقاط قوة المهرجان في دوراته السابقة، وأضفت على العروض بعدا جماليا خاصا.

ولم تسلم الاختيارات الفنية بدورها من النقاش، سواء من حيث طبيعة الفرق المشاركة أو مستوى بعض الفقرات، مقارنة بما اعتاده الجمهور من أسماء وتجارب موسيقية وازنة. وحتى مشاركة مارسيل خليفة لم تحقق، في نظر عدد من المتابعين، الأثر الفني نفسه الذي تركته مشاركته السابقة رفقة فرقة موسيقية متكاملة.

سميرة القادري.. من الاختلالات إلى تغييب الذاكرة الثقافية

غير أن النقاش اتخذ منحى أعمق مع تدوينة الفنانة السوبرانو سميرة القادري، التي أعادت إلى الواجهة قضية تغييب جائزة زرياب للمهارات، التي يمنحها المجلس الوطني للموسيقى، الشريك الرسمي لليونسكو.

فقد أوضحت القادري أن الجائزة، التي دأب المهرجان على منحها منذ سنة 2013، كان مقررا أن تؤول هذه الدورة إلى الموسيقي السوري كنان العدناوي، غير أن ترتيبات استقباله وتسليمه الجائزة لم تتم، بدعوى ضعف الإمكانيات المالية، وفي ظل غياب التواصل والتنسيق المؤسساتي المطلوب مع المجلس.

وتتجاوز أهمية هذه القضية مجرد غياب فنان أو إلغاء فقرة، لأن جائزة زرياب لم تكن مجرد درع تكريمي، بل شكلت محطة فنية بارزة ارتبطت بتكريم أسماء وازنة، من بينها مارسيل خليفة والراحل عبد الوهاب الدكالي. كما كان التكريم مناسبة لاستضافة الفائز وتقديم تجربته أمام الجمهور، بما يعزز قيمة الجائزة وإشعاعها الثقافي.

واستحضرت سميرة القادري تجربتها خلال الدورة الخامسة والعشرين سنة 2024، وما بذلته من جهود لفتح آفاق جديدة أمام المهرجان، وإقامة شراكات ثقافية مع دول شقيقة، من بينها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. كما أشارت إلى واقعة عدم استقبال الوفد السعودي الذي تكبد عناء السفر إلى تطوان، وكان مقررا أن يتوج الفنان جوهر عبادي بجائزة زرياب، وهو ما خلف، بحسب روايتها، آثارا سلبية على صورة الجائزة والعلاقات الثقافية بين المؤسسات المعنية.

ولم تخل تدوينتها من الإشارة إلى تكرار مواقف مشابهة في دورات سابقة، مؤكدة أن احترام الشركاء والتواصل معهم ليس أمرا ثانويا، بل شرط أساسي لاستمرار الثقة والتعاون المؤسساتي.

تفاعل ثقافي يعيد سؤال الاعتراف بالكفاءات

وقد حظيت تدوينة القادري بتفاعل عدد من المثقفين والفنانين والفاعلين المحليين، الذين رأوا فيها مناسبة لإعادة النقاش حول تدبير الشأن الثقافي بالمدينة.

فقد اعتبر الفاعل المسرحي والنقابي محمد العاقل أن ما طرحته القادري يتجاوز تجربتها الشخصية، ليمس الذاكرة الثقافية وأخلاقيات التدبير المؤسساتي وثقافة الاعتراف، منبها إلى تراجع إشراك المثقفين والفنانين والمهنيين في النقاش حول التوجهات والقرارات الثقافية.

ومن جانبه، أثار المخرج أحمد سعيد القادري مسألة التعامل مع الأشخاص الذين أفنوا سنوات من حياتهم في خدمة المشاريع الثقافية، مؤكدا أهمية صون الذاكرة الجماعية والاعتراف بمجهودات المساهمين في بناء المهرجان.

كما انضمت أصوات أخرى إلى هذا النقاش، من بينها المخرج نبيل مشبال والشاعرة حليمة المرابط، في تأكيد على ضرورة تثمين الكفاءات المحلية وعدم تهميش الفاعلين الذين ساهموا في بناء المشهد الثقافي التطواني.

التدبير الإداري أم الرؤية الفنية؟

ومن بين الأسئلة التي تستحق التوقف عندها طبيعة التحول الذي عرفته طريقة الإشراف على المهرجان، بعد انتقال المسؤولية من طاقم فني راكم تجربة طويلة إلى موظفين إداريين بقطاع الثقافة بتطوان.

ولا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية العمل الإداري، بل بالتأكيد على أن مهرجانا متخصصا في الموسيقى يحتاج، إلى جانب التدبير الإداري، إلى رؤية فنية واضحة وكفاءات متخصصة قادرة على اختيار الفنانين، وإعداد العروض، والإشراف على التفاصيل التقنية والجمالية، والحفاظ على هوية المهرجان.

لقد راكمت تطوان تجربة مهمة في هذا المجال، من خلال أسماء فنية وتقنية ساهمت في إعطاء المهرجان شخصيته الخاصة. وكان من الممكن الاستفادة من هذا الرصيد وتطويره بدل القطيعة معه، فالتغيير في المسؤوليات لا ينبغي أن يعني إهدار الخبرة المتراكمة أو تغييب الكفاءات التي صنعت جزءا من نجاح التظاهرة.

كما أن المفارقة بين الحديث عن ضعف الإمكانيات المالية لتكريم الفائز بجائزة زرياب، وما أثير من تساؤلات بشأن كلفة بعض المشاركات الفنية، تفرض تقديم توضيحات حول ترتيب الأولويات والاختيارات المالية، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو المعلومات غير المؤكدة.

إن مهرجان العود ليس مجرد سهرات موسيقية عابرة، بل هو جزء من الذاكرة الثقافية لتطوان، ومن صورتها كمدينة للفن والإبداع والانفتاح. والحفاظ عليه يقتضي رؤية متكاملة تقوم على التخصص، والتشاور، واحترام الشركاء، والإنصات للجمهور، وتثمين الكفاءات المحلية.

لقد أعادت سميرة القادري، من خلال موقفها، فتح ملف يتجاوز جائزة زرياب في حد ذاتها، ليضعنا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لمدينة أن تحافظ على إشعاعها الثقافي إذا لم تحافظ على ذاكرتها، ولم تنصف الذين ساهموا في بنائها؟

إنها أسئلة تستحق جوابا مسؤولا من الجهات المنظمة، لأن قيمة المهرجانات لا تقاس فقط بعدد السهرات وأسماء الفنانين، بل أيضا بما تتركه من أثر فني ومؤسساتي، وبقدرتها على صيانة التراكمات الثقافية وضمان استمراريتها.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button